القرآني في الأعم الأغلب منه كان يأتي مع (أيها) بحرف النداء الظاهر، ليزيد من تأكيد تَنَبُّه المتلقي مراعاةً لأهمية الأمور المُنبه عليها والمُنادى لأجلها.
دخلت (ها) التنبيهية على ضمير الرفع (أنتم) فقط، ولم تدخل على غيره في القرآن الكريم، قال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} (آل عمران: من الآية 66) ، وقال تبارك اسمه: {هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ} (آل عمران: من الآية 119) ، فـ (ها) هنا للتنبيه، وقد دخلت على (أنتم) ، في حين كانت عند الشعراء قد دخلت على (أنا) فقط، ولم تدخل على غيره، ويقول الطوسي في بيان سبب دخولها على أنتم: (( وإنما نبههم على أنفسهم وإن كان الإنسان لا ينبه على نفسه، وإنما ينبه على ما أغفله من حاله، لان المراد بذلك تنبيههم بذكر ما يعلمون على ما لا يعلمون، فلذلك خرج التنبيه على النفس، والمراد على حال النفس. ولو جاء على الأصل، لكان لابد من ذكر النفس للبيان، ففيه مع ذلك إيجاز. ) ) [1] ، كأن التنبيه هنا في الاستعمال القرآني يشخص العلًّة تشخيص عالمٍ بها مطلع عليها، فهو ينظر من الأعلى، ويخاطب البشر من خارج ذاتهم، ليبيِّن لهم أن هنالك من يراقبهم، ويرصد أفعالهم ويقومها، وينبههم بين الحين والآخر على بعض فعالهم. والتنبيه للمجموع لا لفرد بعينه، في حين كان الشاعر يحاول تأكيد معنى الفردية وهذا نابع من طبيعة حياته التي يعيش فيها والقيم التي تربَّى عليها، وهي كلها تعتزَّ بالنفس والفخر الذاتي، ولا يعنيها كثيرا أن تنظر إلى المجموع العام، وتلحظ المصلحة العامة للمجتمع، فالنظرة عند الشعراء للحياة كانت جزئية، والقران كان يتعامل مع الحياة من منظار شمولي، لذا استعمل الشعراء (ها أنا) واستعمل القرآن (ها أنتم) . وفي هذا تطور في لغة الخطاب القرآني عمَّا كانت عليه عند الشعراء قبل نزوله، وتحقيق لفرضية الفصل.
(هل) حرف للاستفهام التصديقي الموجب، وكان لاستعماله في النصوص البلاغية خصوصية أشرت إليها في الفصل الثاني، فغالبا ما كان هذا الحرف يستعمل على نحو المجاز، ليحمل مع معناه المركزي بعض المعاني الهامشية من خلال استعماله في سياقات خاصَّة.
ومن ناحية وصف الاستعمال العام أقول: جاءت نسب استعمال (هل) في القرآن الكريم ودواوين أصحاب المعلقات متطابقة، فقد استعملت (هل) في دواوين الشعراء (78) ثمانيا وسبعين مرَّة [2] ، ونسبتها إلى مجموع الأبيات الشعرية في الدواوين (1.4%) أربعة عشر استعمالا في كل ألف بيت شعري، وكان استعمالها في المصحف الشريف (93) ثلاثا وتسعين مرَّة [3] ، لتكون نسبة استعمالها إلى مجموع آيات القرآن الكريم (1.4%) أي أربعة عشر استعمالا في كل ألف آية، إن تطابق النسبة إلى هذا الحد بين النصين المدروسين - على سعتهما - يعطي صورةً واضحةً ودقيقةً لحجم استعمال هذا الحرف في اللغة العربية.
(1) - التبيان: 2\ 491.
(2) - ظ: برنامج الموسوعة الشعرية الإصدار الثالث.
(3) - ظ: برنامج (نور جامع الأحاديث) ، معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم: 648 - 650، وقد اشتبه عليهم قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} فأعطي الرقم (18\ 104) والصحيح: (18\ 103) ، وكذا قوله تعالى: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} إذ أعطي الرقم (83\ 35) ورقمه الصحيح: (83\ 36)