كانت أكثر صور استعمال (ها) تكرارا في القرآن العزيز دخولها على اسم الإشارة المذكر القريب، وكانت نسبة هذا الاستعمالات إلى بقيَّة الاستعمالات (46%) أي قرابة نصف مجموع الاستعمالات، في حين كانت نسبة دخولها على اسم الإشارة المؤنث (9%) أي قرابة العشر من مجموع الاستعمالات، ومثلها نسبة دخولها على اسم الإشارة إلى المجموع (أُولاء) . وهذا يعني أن حضور الإشارة إلى الاسم المؤنث، والى المجموع كانت بمقدار واحد في القرآن الكريم، وبقيت السيادة إلى إشارة إلى الاسم المذكر، إن النسب في الإشارة هنا أكثر توازنا مما كانت عليه عند أصحاب المعلقات، فقد ارتفعت نسبة الإشارة إلى المؤنث إلى ضعف ما كانت عليه عند الشعراء، واستعملت الإشارة إلى المجموع التي لم نعثر عليها في الدواوين، وجاءت نسبة الإشارة إلى المذكر في القرآن أقل من النصف بعد أن كانت عند الشعراء تمثل ثلثي مجموع الاستعمالات، وجاءت الإشارة إلى المثنى المذكر والمؤنث، وجاءت الإشارة إلى المكان القريب، ومثل هذه الاستعمالات لم نرها عند الشعراء، ويدلل هذا على توازن لطيف في الاستعمال القرآني للألفاظ، فلم يهمل شيء على حساب شيء، ولا يكثر استعمال على آخر إلاَّ لسبب، قد نهتدي إليه وقد نغفل عنه.
استعملت (ها) الداخلة على (أيّ) في القرآن بكثرة وكانت نسبة استعمالها تمثل ثلث مجموع استعمالات (ها) في القرآن المجيد، وفي أكثرها كانت مصاحبة لحرف النداء، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} (البقرة: من الآية 21) ، وقوله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} (النساء: من الآية 174) ، لقد تكرر مجيء (أيها) مقترنا بحرف النداء (142) مرَّة في الاستعمال القرآني، والمنادى المباشر بهذا الخطاب هو (أيّ) وهو اسم مبهم ولا يصل إلى المعرَّف (الناس) أو (المؤمنون) إلاَّ بوصلة وهي (ها) التنبيهية، (( وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد. وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين: معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ووقوعها عوضًا مما يستحقه أيّ من ... الإضافة. ) ) [1] ، حمل الحرف هنا زيادة على معناه الأصلي الذي هو التنبيه المحض، هذه الزيادة التي كانت التوكيد، وهذا التوكيد يحتاج إليه السياق لأن الأمر الذي يطرحه خطير، وقد يكون في نفوس بعض المتلقين إنكار له، فاحتاج المقام إلى التوكيد زيادة على التنبيه.
وجاءت (أيها) في القرآن مع حرف نداء مُقدَّرٍ، وتكرر ذلك في تسعة موارد [2] ، منها قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} (النساء: من الآية 133) ، وقوله - عز وجل: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا} (يوسف: من الآية 46) ، ففي الكلام محذوف: (( قد ترك ذكره استغناءً بما ظهر عما ترك وذلك: فأرسلوه، فأتى يوسف، فقال له: يا يوسف يا أيها الصديق. ) ) [3] ، كان إخبار يوسف لهم بتأويل الرؤيا شيئا مهما؛ لأنه يتعلق بشأن من شؤون الملك، ومن ثم سيكون فيه إثبات لكرامة يوسف - عليه السلام -، لذا كان المقام يقتضي زيادة التنبيه على ما في الخطاب من معانٍ. لقد اختلف الحال في الاستعمال القرآني عما كان عليه عند الشعراء في هذه المسألة، فالشعراء كانوا إذا أدخلوا (ها) على (أي) في النداء يميلون غالبا إلى حذف حرف النداء من الكلام مكتفين بدلالة (ها) على التنبيه، وقد يأتون بحرف النداء معها ظاهرا، لكن الاستعمال
(1) - الكشاف: 1\ 224.
(2) - النساء:133، يوسف:46، الحجر:75، النور:31، يس:59، الزمر:64، الذاريات:31، الرحمن:31، الواقعة:51.
(3) - جامع البيان: 12\ 299، وينظر معه: التبيان: 6\ 148، مجمع البيان: 5\ 41، جوامع الجامع:2\ 223، مفاتيح الغيب: 18\ 464.