بلفظ التشبيه تحرزا من الطيش، والمبادرة إلى التصديق من غير تثبت [1] . هذا الاستعمال البليغ لم أشهد له مثيلا من قبل عند الشعراء، وهو من ابتكارات النص القرآني.
ومن استعمالات القرآن الكريم التي لم يسبق إليها إدخاله (ها) التنبيهية على اسم الإشارة المخصص للمكان القريب (هنا) قال تعالى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: من الآية 24) ، أي إننا لا نبرح هذا المكان، لا نتقدم معك ولا نتأخر [2] ، يبدو أنَّ المتحدث يريد أنَّه مستقر في مكانه ولا يريد مجاوزته، ومكانه الذي هو فيه حاضر عنده (هنا) ومن ثمَّ فهو لا يريد تجاوز الحاضر المعلوم إلى ما هو غير معلوم، ومثله قوله - عز وجل: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ} (الشعراء:146) .، وقوله تبارك اسمه: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ} (الحاقة:35) ، فالمراد باليوم يوم القيامة و (ها هنا) يعني الدار الآخرة [3] ، هذه الإشارة تجعل العالم الآخر قريبا من الإنسان كأنه يراه ويتحسس قربه، وفيه لمحة الاستقرار والثبات، وهذا من لطيف استعمالات القرآن وانفراداته.
خرج الاستعمال المجازي بـ (هل) إلى أن تؤدي معنى الأمر من خلال سياق الاستفهام المجازي الذي استعملت فيه، نحو قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} (الأنبياء: من الآية 80) ، وقد أحصيت في القرآن من مثل هذا الاستعمال (8) ثمانية مواضع [4] ، لتكون نسبة هذا الاستعمال إلى مجموع الاستعمال القرآني العام (8.6%) ، وهذا الاستعمال مما تفرَّدت به لغة الذكر الحكيم؛ إذ لم أجد مثل هذا المعنى في الاستعمال الشعري للاستفهام المجازي مع الحرف (هل) ، فلم يوظف (هل) في سياق الاستفهام ليعطي معنى الأمر في شعر أصحاب المعلقات، وقد يكون هذا التطور في الاستعمال القرآني من صلب خصائص النص القرآني الذي هو كتاب هداية وتشريع، فمن الطبيعي أن يستحدث طرقا يُفهَّم بها العباد بكل أدب ولطف ما يجب عليهم فعله، وما ينبغي تركه، وكان أحد تلك الطرق توظيف الاستفهام ليفيد معنى الأمر.
وفي القرآن نوعٌ لطيفٌ من النداء، ذلك الذي يحكى على لسان الحيوان، مثل قوله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} (النمل: من الآية 18) ، ومثل هذا النوع لم يوجد في
(1) - ظ: الميزان: 15\ 365.
(2) - ظ: فتح القدير: 2\ 28.
(3) - ظ: جامع البيان: 29\ 80.
(4) - المائدة: 91، هود:14، إبراهيم:21، الأنبياء:80، 108، الصافات: 54، النازعات:18، غافر:47.