فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 295

وقوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: من الآية 44) ، وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} (طه: من الآية 113) ، وقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} (النحل: من الآية 77) ، وقوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} (النجم:9) ، وأجابوا عنه من وجوه كثيرةٍ، والأصحُّ منها وجهٌ واحدٌ وهو أن يكون المعنى أو يزيدون في تقديركم، بمعنى أنهم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مئة ألف أو يزيدون على المئة، وهذا هو الجواب عن كل ما يشبه هذا. )) [1] ، وخرجها العكبريُّ كذلك على هذا المعنى [2] ، وقد اتفق كثير من العلماء على أنه أجود الأقوال، لما فيه من دفع لشبه قد ترد على ذهن شخص ما.

أقول في هذه الآية دليلٌ آخر على أن السياق هو الذي يضفي على الحرف معناه الخاص، ولولا السياق لا تظهر للحرف تلك المعاني الإضافية، ويبقى في حدود معناه العام، وهذا ما ذكره العلماء، كقول ابن يعيش: (( والذي يدلّ أن أصلهما أحد الشيئين أنَّه إذا لم يكن معك في الكلام دليل يوجب زيادة معنى على هذا المعنى لم يحمل في التأويل إلاَّ عليه. ) ) [3] ، لقد فسَّر هؤلاء العلماء (أو) في هذه الآية وغيرها بناءً على ما فرزته أمامهم قرائن النص الداخلية والخارجية، تساعدها الروايات المختلفة لتكوين معنى دقيق لآيات القرآن الكريم. وقد أوصلهم بحثهم المُعَمَّق في محاولة فهم النص القرآني إلى تقليب الوجوه المحتملة كلها، ومناقشة كل وجه، مخافة أن يكون القول بهذا الوجه أو ذالك تطاولا على النص القرآني، أو نسبة شيء من النقص، أو السوء إلى الذات المقدسة. وخيرُ شاهدٍ على ذلك ما نقلته عن الفخر الرازي قبل قليل. وأعتقد أنَّ فيما ذكرته من الأمثلة دليلا على ما افترضته آنفا من إن الحرف له معنى عام يتلون من خلال السياق الذي يرد فيه بألوان خاصة من المعاني.

خامسًا:(بَلْ)

وهي حرف من الهوامل، ومعناه المركزي الذي لا يفارقه الإضراب، ويقع بعدها مفردٌ، ويقع بعدها جملة، وقد ينظم إلى الإضراب معانٍ أُخر [4] ، يساعدُ عليها السياقُ:

فإن كانت داخلةً على جملةٍ، فيكثر أن:

· يكون الإضرَابُ للإبطال، كقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} (الأنبياء:26) ، والمعنى أضرب لإبطال قول الكافرين فقرر أنهم عبادٌ مُكرَمُون.

· ويكون الإضرَابُ للانتقال، من غرض إلى آخر، بمعنى آخر ترك الشيء، والأخذ في غيره، من غير إبطَالٍ، وأكثر مَجيئُهَا في القرآن من هذا النوع [5] ، كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (الأعلى:14 - 16) ، وقوله

(1) - مفاتيح الغيب: 26\ 355.

(2) - ظ: التبيان في إعراب القرآن: 2\ 207.

(3) - شرح المفصل: 8\ 97.

(4) - ظ: الأصول في النحو:2\ 57، اللمع في العربية:176، حروف المعاني:14، معاني الحروف:94، الإيضاح العضدي:290، الصاحبي في فقه اللغة:145، المخصص:14\ 55، البيان في شرح اللمع: 185، شرح المفصل: 8\ 105، شرح جمل الزجاجي:1\ 329، شرح ألفية ابن مالك: 211، رصف المباني: 153 - 154، الجنى الداني: 253، مغني اللبيب: 152، جواهر الأدب: 127 - 129.

(5) - ظ: معاني الحروف: 94، وينظر الفصل الثالث من الأطروحة صفحة: 181.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت