تعالى: {وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا، ... } (المؤمنون:62 - 63) .
وقيل عند دخول (بل) على الجملة فهي حرفُ ابتداءٍ لا عطف، على أصح القولين [1] .
معنى (الإبطال) أو (الانتقال) المضاف إلى معنى الإضراب المركزي في حقيقته هو غاية الإضراب، ولا يمكننا أن نفهمه من (بل) مجردة من السياق، بل السياق هو الذي يحدد لنا غاية الإضراب، ومن ثم يضفي معنى زائدا على معنى الحرف المركزي.
وإن كانت داخلة على مفرد [2] :
· فيكثر أن يكون الإضرَاب للترك، أي ترك الأول وأخذ الثاني بالمعنى المسند في الجملة، ويكون هذا الإضرَاب لمعنى يظهر له في أثناء الكلام، كقول القائل: اضرب زيدا بل عمرا.
· أو يكون الإضرَاب للبداء، وهو (( وضع الشيء على معنى بالقصد، ثم يَتَبيَّن أن الأولى غير ذلك الشيء، ففي المدح يؤتى بأحسن، وفي الذم يؤتى بأقبح، كقولك: هندُ شمسٌ بل دنيا، وهندٌ ليلٌ بل كابوس. ) ) [3]
· أو يكون الإضرَاب للغلط، إذ يذكر المتكلم لفظا وهو يريد غيره، كقولهم رأيت رجلا بل حمارا، (( وهذا لا يقع في القرآن ولا في فصيح كلامٍ في حال تبليغ. ) ) [4] .
· أو يكون الإضرَاب للنسيان، كقولنا سافرت يوم الاثنين بل الثلاثاء، وهذا القسم وسابقه لا يقعان في القرآن الكريم ولا في كلام مُبَلِّغٍ عن الله تعالى. والفرق بينه وبين سابقه من جهة المعنى في التصور المبني عليه الكلام؛ إذ النسيان وضع شيء على غيره، من غير علم به، ولا خطوره ببال المتكلم، في حين الغلط وضع شيء على غيره بمضي الوهم إليه، ثم يظهر المقصود [5] ، وهذان الوجهان الأخيران (الغلط والنسيان) يشتملان على معنى الإبطال، فالإضراب معهما يبطل الأول ويثبت الثاني.
هذه المعاني الملحوظة هنا هي أسباب الإضراب وليست غاياته، وعندها فقد يصاحب أحد هذه المعاني الأربعة الأخيرة معنى الإضرَاب إذا كان بعد (بل) جملة، وليس الأمر مقصورا على المعنيين اللَّذَين ذُكِرَا أولاُ، بل الأكثرُ فيها مع الجمل أن يلحظ غاية الإضراب، والأكثر هنا أن يلحظ سبب الإضراب. وجليٌّ للعيان أن تحقق المعنى الخاص مع المعنى العام كان للسياق أثره الكبير فيه، فمن خلال السياق إذا عرفنا أن المتكلم ذكر جملةً لقائل ما وأضرب عنها بغية إبطالها، فنكون قد أضفنا إلى (بل) معنى آخر وإذا عرفنا أنه كان ناسيا أو غلطانا نكون قد أضفنا معنى خاصا لـ (بل) .
وتكون (بل) عاطفة عند دخولها على المفرد فإن تقدمها [6] :
· أمرٌ أو إيجابٌ، فإنها تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه، فلا يحكم عليه بشيء، ويثبت الحكم لما بعدها، كقولنا: اضرب زيدا بل عمرا، وقولنا: قام زيدٌ بل عمرٌو.
(1) - ظ: الجنى الداني: 253، مغني اللبيب: 152.
(2) - ظ: شرح المفصل:8\ 105، رصف المباني: 153، مغني اللبيب: 152.
(3) - رصف المباني: 153 - 154.
(4) - المصدر نفسه: 153، وينظر معه: أسرار العربية: 269، اللباب في علل البناء والإعراب: 1\ 426.
(5) - ظ: المصدر نفسه.
(6) - ظ: شرح ألفية ابن مالك: 211، رصف المباني: 154، الجنى الداني: 235 - 254، مغني اللبيب: 152.