تؤكِّد استقرارهم في الضلال ورسوخهم في غيِّهم بأنهم كانوا يكفرون بِرسل الله ويسوون الأصنام بربِّ العزَّة تعالى شأنه.
لم يأت مثلُ هذا الاستعمال في شعر أصحاب المعلقات ولا في أشعار الجاهليين كلهم، وقد تتبعت أشعارهم وأحصيتها باحثا عن مثل هذا الاستعمال، فما وجدت لهم بيتا مثيلا له، وكلُّ ما جاء من مثل هذا المعنى بيتٌ واحدٌ لعبادة بن عمرو بن كلثوم، وهو مجهول الوفاة لا نعلم حقيقةً هل كان من المخضرمين أو لا؟ علما أنَّ أباه عمرو بن كلثوم تُوفي قريبا من زمن الهجرة (39 ق. هـ) ، قال عبادة [1] :
(البسيط)
إِنّا لَفي مَنزِلٍ ما إِن نَخافُ بِهِ ... أَمثالَكُم يا بَني غَنمِ بِنِ دُودان
يؤكد عبادة استقرارهم في منزل آمن لا يخافون فيه الناس، وهنا فارقٌ رئيسٌ ومهمٌّ بين الاستعمال القرآني وقول عبادة هذا، فقد أدخل الاستعمال القرآني (في) في سياق التوكيد حينما كانت (في) داخلة على أسماء المعاني لا أسماء الأماكن، وهذا معلمُ من المعالم التي تدلُّ على حرص القرآن على التعبير عن (المعاني) أكثر من التعبير عن (الذوات) ، فهو كتاب يحمل فكرا يهدف إلى هداية الناس، جاء يخاطب الفكر، ويسمو به من خلال إقرار المعاني في النفوس لا تشخيص [2] الأحداث، وتحويلها إلى جزئيات، في حين كان الشاعر قد استعملها ليؤكد الاستقرار في الأماكن والمنازل، أي استعملها في معناها اليسير الأولي حينما أدخلها على (ذات) .
استعمل في قول الشاعر التوكيد بحرف التوكيد (إنَّ) المثقلة. وهذا يؤكد أنَّ حرف التوكيد (إن) المخففة لم تستعمل في الشعر كما قررت آنفا. وعندها يبقى هذان الاستعمالان مما انفرد به الاستعمال القرآني. وفيهما تحقيق لفرضية الفصل وتأكيد لأثر القرآن الكبير في استحداث معاني الحروف وتطويرها في اللغة العربية.
استعمل هذا الحرف في القرآن الكريم مرَّة واحدة، لتكون نسبته المئوية إلى مجموع آيات القرآن: (0.01%) واحد في كل عشرة آلاف أية قرآنية، وهو أقلُّ الحروف المستعملة في القرآن ورودا، ولئن كان معنى هذا الحرف المركزي الإثبات - أي لإثبات ما بعدها - إنَّ القرآن الكريم وظَّفها لتأدية معنى هامشيٍّ جديد لم يستعمله الشعراء، ذلك هو معنى التهديد والتحذير، قال تعالى: {رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} (الحجر:2) ، التقليل كما يرى الزمخشريُّ: (( وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسانُ على ما فعل، ولا يَشكُّونَ في تندُّمِهِ، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا: ولو كان الندم مشكوكًا فيه، أو كان قليلًا، لحقَّ عليك أن لا تفعل هذا الفعل؛ لأنّ العقلاء يَتَحرَّزونَ من التعرُّضِ للغمِّ المظنون، كما يتحرّزون من المتيقن ومن القليل منه. ) ) [3] ، فالقران الكريم يريد أن يثبت أنَّ الذين كفروا
(1) - ظ: برنامج الموسوعة الشعرية.
(2) - قد يعبر بعض المتكلمين اليوم عن هذا المعنى بمصطلح (شخصنة) .
(3) - الكشاف:2\ 386، وينظر معه: معاني القرآن (الفراء) :2\ 82، معاني القرآن (الأخفش الأوسط) :2\ 378، معاني القرآن وإعرابه (الزجاج) :3\ 172 - 173، إعراب القرآن (النحاس) :2\ 190، معاني القرآن (النحاس) :4\ 8، مشكل إعراب القرآن:1\ 409، البيان في غريب إعراب القرآن: 2\ 63 - 64.