فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 295

يودُّون لو كانوا مؤمنين، وأمنيتهم هذه لم تكن من فراغ، بل لما يرون من العذاب الجسيم، والمهانة العظيمة يوم القامة، تجعلهم يتمنون ذلك، فهو هنا وارد على معنى التَهدُّد والتحذير، تبكيتا لهؤلاء الذين كفروا بربهم، ولم يسلموا مع المسلمين. وفَهم ابن هشام من هذه الآية أنها للتكثير [1] ليس مانعا من هذا المعنى الهامشي، فقد يؤدي الحرف أكثر من معنى هامشي مع معناه المركزي في وقت واحد، وهنا تظهر براعة منشئ النص - إن كان نصَّا بشريا - وسواء أكان هذا القول منهم على نحو القلَّة أو الكثرة، فهو يدلُّ على حسرتهم، وقد يردع بعض المشركين عمَّا هم عليه من الشرك. والذي يراه الباحث أنَّ الآية ليست في مجال إثبات القلَّة أو الكثرة في تكرار تمنيهم ذالك، بل المراد بها التهديد والتحذير من أن يكون الإنسان في مثل موضع أولئك الكافرين. هذا المعنى لم أجد في الاستعمال الشعري له مثيلا؛ لذا أعتقد أنَّه معنى قرآني تفرَّدت به لغة الذكر الحكيم.

أعتقد أنَّي في ما تقدَّمَ من صفحات هذا الفصل قد استطعت - بحمد الله - أن أشخِّصَ بعض المواضع التي كان للقرآن فيها الفضلُ في تطوير معاني الحروف في اللغة العربية، ولم يقتصر التطوير على المعاني الهامشية التي يبدعها النص، من خلال وضع الحرف في سياق معيَّنٍ يُحَمِّلَهُ به تأدية مَعَانٍ إضافيةٍ زيادة على معناه المركزي، بل شَمِلَ ذلك التطوير إبداع معان مركزية جديدة للحروف، لم تكن لغة الأدب أو لغة المستوى الفصيح البليغ من لغة العرب قد استعملته قبل نزوله. وفي كل هذا تحقيق لفرضية الفصل الرئيسة التي ذكرت في بداية الكلام وقد افترضت أن السياق القرآني مؤثِّرٌ رئيسٌ في تطوير معاني الحروف. ولا أدعى هنا أني قد أحطت بكل ما طوره القرآن من تلك المعاني، بل ما ذكرته هنا هو ما استطعت أن أرصده منها، وفيها كفاية في إثبات فرضية الفصل. وأكرر مرَّة أخرى أن استعمال المعنى الحرفي في لغة الشعر قبل نزول القرآن لا يعني أن القرآن لم يبدع فيه، بل لقد رصدت الكثير من الصور التي تفرد بها القرآن، فكان مبدعها، لكني هنا في هذه الدراسة حاولت أن أرصد المعنى الذي لم يستعمل من قبل، ومقدار التغيير والتطور في ما كان مستعملا منها، أما الصور المفردة التي أبدعها القرآن في كل معنى فهذا يتطلب دراسة مستقلة، على أني أشرت إلى بعض تلك الصور التي أبدعها القرآن الكريم في لغته.

(1) - مغني اللبيب: 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت