إنَّه لحق. )) [1] ، وقال الزمخشريُّ فيها: (( و {إيْ} بمعنى «نعم» في القسم خاصة. ) ) [2] ، وقال القرطبيُّ: (( قوله تعالى:(ويستنبئونك) أي يستخبرونك يا محمد عن العذاب وقيام الساعة، ... ، (قل إيْ) "إيْ"كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم. (وربي) قسم. (إنه لحق) جوابه، أي كائن لا شك فيه. )) [3] ، لقد صرَّح المفسرون بأن مجيء القسم أضفى معنى التوكيد والتحقيق، فـ (إيْ) لم تُعط هي بنفسها معنى التوكيد، بل مجيء القسم معها هو الذي جعلها تصطبغ بهذا المعنى.
وقد أجد سببًا أعللُ به ندرة استعمال هذا الحرف، فأقول: إن استعمالَ اللغة في الشعر استعمالٌ فنيٌ بليغٌ يسعى إلى وصف تجربة الشاعر العاطفية وتقرير أحواله، وخلجات نفسه، وكذلك كان استعمال اللغة في القرآن الكريم استعمالا بلاغيا عالي المستوى، بل هو أعلى مستوى للاستعمال البلاغي في اللغة العربية. والسؤال الحقيقي الذي يتطلب جوابا أن ما يحتاج إليه الفردُ في حياته اليومية، وفي لغة السوق والبيت والشارع، أما في اللغة الأدبية فقلَّما يُحتاج إلى السؤال الذي يتطلب الجواب بـ (نعم أو إيْ) ، ولا أقصد من هذا أن حروف الجواب لا تأتي في اللغة الأدبية البتة، لا فقد استعملت كلمة (نعم) على قلَّة في الشِّعر الجاهلي، ولكن ما أريده: عدم غرابة قلَّة استعمال هذه الحروف في اللغة الأدبية، لكن الغريب أنها لا تأتي البتَّة عند الشعراء قبل الإسلام وشعراء صدر الإسلام ولا مرَّة واحدة، لذا زعمت أن القرآن الكريم استعملها أوَّل مرَّة، إلى أن يقوم دليلٌ خلاف هذا الزعم.
المعنى المركزي لـ (هل) الاستفهام التصديقي الموجب، وكان استعمالها في النصوص البلاغية استعمالا مجازيا، إلاَّ أن الاستعمال القرآني لم يخل من مواضع استعمل فيها (هل) للدلالة على معناها الحقيقي المركزي، وقد ذكرت أمثلتها هناك [4] ، ولقد استطعت أن أُحصي من الموارد التي حكى لنا فيها القرآن الكريم استفهامات حقيقية مستعملا (هل) (18) ثمانية عشر موردا [5] ، من أصل (93) موردا مجموع استعمالات هذا الحرف.
لم ألحظ عند الشعراء مثل هذا الاستعمال، فلم ترد (هل) عند الشعراء على نحو الحقيقة لا من باب الحكاية ولا غيرها، فطبيعة الشعر قد تبعده بعض الشيء عن سرد حكاية الحال عن وقائع أو أحداث يومية يجري فيها الاستفهام الحقيقي.
· 5 - (إذن) حرف (جواب وجزاء) :
(إذن) [6] حرف ينصب المضارع الدال على الاستقبال بشرط تصدرها، وعدم الفصل بينهما [7] ، ويبدو أنها وضعت (( لتكون جزاءً للفعل، وجوابًا لكلام دالٍّ عليه، إما محققٌ كقولك
(1) - التبيان: 5\ 392.
(2) - الكشاف: 2\ 241.
(3) - الجامع لأحكام القرآن:8\ 351، وينظر معه: زاد المسير:4\ 34، تفسير ابن كثير:2\ 435، البرهان في علوم القرآن:3\ 44.
(4) - ظ: الفصل الثاني:116.
(5) - استشهدت بقسم منها، ويمكن الإطلاع على البقيَّة من خلال برنامج (نور جامع الأحاديث) .
(6) - هنالك خلاف في رسم هذه الكلمة فمنهم من يرسمها (إذًا) ومنهم من يرسمها (إذن) وقد فصل القول في هذا المالقي وغيره، وأرى أن الخلاف فيها شكلي لا أثر له في المعنى، وأميل إلى رسمها (إذن) ؛ لأن الحروف لا تنون والنون فيه مثل (إنَّ) وغيرها كما قال المالقي في رصف المباني:62 - 63، أما كونها لم ترسم في القرآن إلاَّ على بالألف والتنوين هكذا (إذًا) فهو رسم خاص بالقران الكريم ومن خصائصه ولاسيما أن بعض الباحثين قد يرى أن الرسم القرآني موقوفٌ على شكله الذي وصلنا في المصحف العثماني.
(7) - ظ: الجنى الداني: 355.