فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 295

لمن قال: (أزورك) ، (إذن أُكرمك) فـ (إذن) جزاءٌ للفعل وهو الزيارة، وجوابٌ لهذا الكلام المحقق، وإما مقدرٌ، كقولك للقائل: (لو أكرمتني) ، (إذن أكرمك) ، فإذن هنا جواب لكلام مقدَّر كأن القائل سائلٌ ماذا يكون مرتبطا بالإكرام؟ فأجبته بإذن أكرمك. )) [1] ، الجواب والجزاء مقترنان في دلالة هذا الحرف، وأحدهما له علاقة بالآخر، ويحدد السياق نوع هذه العلاقة، فقد تكون محققة، وقد لا تكون كذالك، من هذا المعنى قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} (البقرة من الآية: 145) ، قال الرازي: (( أما قوله تعالى: {إنك إذًا لمن الظالمين} فالمراد إنك لو فعلت ذلك لكنت بمنزلة القوم في كفرهم وظلمهم لأنفسهم، والغرض منه التهديد والزجر. ) ) [2] ، خروج الدلالة إلى المجاز يفهم من السياق أيضًا، وليس من الدلالة الحرفية للكلمات؛ لأن هذا النص مخاطب به شخص معين، واجتمعت القرائن الداخلية والخارجية أن المخاطب به لا يمكن أن يتبع أهواءهم بعد الذي جاءه من العلم، فعليه يكون النص موجها على جهة التهديد والزجر لمن يتبعون أهواءهم. من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة) .

اقتران الجواب بالجزاء فُهِمً من كلام سيبويه، وكثيرٌ من النحويين وافقه عليه [3] ، إلاَّ أنه نُقِلَ عن أبي علي الفارسي أنَّه يفهم أنها جزاء في موضع، وجواب في موضع، ونُقِلَ عن الشلوبين (ت 645 هـ) أيضًا أنها عنده (جواب وجزاء) لكنَّ الجوابَ شرطٌ، فإذا قالَ القائلُ: (أزورك) ، وقال المجيب: (إذن أكرمك) ، فالمعنى عنده: إن تزرني أكرمك [4] . أما إذا نظرنا إلى المعنى على وفق نظرية المعني المركزي والمعاني الهامشية فإننا سنطمئن إلى أن المعنى المركزي للحرف هو (الجواب والجزاء) ، وقد تصحبه دلالات أخرى مثل الشرط المفهوم من سياق حديث المُتَحدِّثَين في المثال المذكور آنفا. وقد يتخلى الحرف عن جزءٍ من معناه، فيفيد الجواب فقط، دون اقترانه بالجزاء، كما في قوله تعالى: {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّآلِّينَ} (الشعراء:20) ، فـ (إذًا) هنا جواب لا جزاء؛ لأنه تصديق لكلام فرعون إلاَّ أنه بزيادة عليه، إذ (( بيَّنَ له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافرًا أو كافرًا لنعمه. ) ) [5] . وليس هنا جزاء، فالحرف هنا قد تمحض للجواب بدليل أنه يقال للشخص: (أحبك) فيقول: (إذن أظنك صادقا) فليس في الكلام مجازاة.

استعملت (إذن) في القرآن الكريم بقلَّة؛ إذ وردت (31) واحدة وثلاثين مرَّة [6] ، لتكون نسبتها إلى مجموع آيات القرآن (0.49%) أربعة استعمالاتٍ في كلِّ ألف آيةٍ من القرآن. ولم تستعمل (إذن) في دواوين أصحاب المعلقات، ولم أعثر لها على شاهدٍ عندهم. لكني أسجِّلُ هنا أنها استعملت في الشعر الجاهلي كُلِّه بندرةٍ، فقد رصدت لها تسعة استعمالات [7] من خلال إحصاء عموم الشعر الجاهلي المثبت في الموسوعة الشعرية، ومقداره أكثر من عشرين ألف

(1) - جواهر الأدب: 201 - 202، وينظر معه: حروف المعاني:6، الإيضاح العضدي:309، الصاحبي في فقه اللغة:141، المقرب:1\ 261، رصف المباني:62 - 63، ارتشاف الضرب:2\ 395 - 396، الجنى الداني:357 - 358، مغني اللبيب:30.

(2) - مفاتيح الغيب: 4\ 107.

(3) - ظ: الكتاب:3\ 12 - 16، المقتضب: 2\ 10، شرح المفصل: 9\ 12، همع الهوامع: 2\ 6.

(4) - ظ: رصف المباني: 62 - 63.

(5) - مفاتيح الغيب: 24\ 496.

(6) - البقرة:145، النساء:53، 67، 140، المائدة: 106، 107، الأنعام: 56، الأعراف:90، يونس:106، هود:31، يوسف:14، 79، الحجر:8، الإسراء: 42، 73، 75، 76، 100، الكهف:14، 20، 57، المؤمنون: 34، 91، الشعراء:20، 42، العنكبوت: 48، الأحزاب: 16،يس: 24، النجم: 22، القمر: 24، النازعات: 12، ينظر (برنامج نور جامع الأحاديث) ، و معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم: 27.

(7) - واحد عند الأسود بن يعفر النهشلي، وواحد عند الشنفرى، وآخر عند عبد الله بن العجلان، واستعمال واحد عند أبو الذيَّال، وخمس مرات عند جنوب الهذليَّة، ويمكن الرجوع إلى الموسوعة الشعرية لمتابعة هذه المواضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت