فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 295

تماما مع نتيجة إحصاء استعمالاتهم لـ (أنْ) المخففة التي تدل على التوكيد والتحقيق، وقد مرَّ آنفا أنَّ عنترة كان أقلهم استعمالا لها، وفسرته هنالك بأن الفروسية ولَّدت عنده حالة من الثقة بالنفس جعلت كلامه مقبولا عند المتلقي وقد لا يحتاج إلى كثير من التأكيد في كلامه، في حين كان زهير وطرفة أكثرهم استعمالا لذلك الحرف، وقلت إنهما أكثر شاعرين يعانيان الصراع النفسي، ويحاولان إقناع المتلقي أكثر من غيرهما، والنتيجة هنا متفقة مع ما تقدم وإحداهما تعاضد الأخرى، فزهير أكثر الشعراء استعمالا لحرف الشك، وكذا النسبة مرتفعة عند طرفة.

أما في النص القرآني فقد ارتفعت نسبة استعمال حرف الشَّك عشرة بالألف عمَّا كان عليه عند هؤلاء الشعراء، وهذا يعني في وجه من الوجوه ازدياد الحيرة والشك في هذا النص، وهذا صحيحٌ من حيث أن المخاطبين بالقران كان أكثرهم بين شاكٍّ به، ومكذِّب له، ومُعرِضٍ عنه، فالشَّكُ عند المُخَاطَبِ، وكان القرآن الكريم يريد تبديد تلك المخاوف والشكوك في نفوس المخاطبين حتى يؤمنوا بأنه الحق، فتلك الزيادة تدلُّ على حالة الصراع النفسي العقائدي الذي عانى منه المخاطبون بالقران، والمَدعُوونَ للإيمان به، وهذا الصراع قد يكون مستمرا ما دامت الدعوة إلى الإيمان مستمرة.

خامسا:(بَلْ)

لم يكن (بل) من الحروف الشائعة الاستعمال في أشعار أصحاب المعلقات، فكل ما استطعت أن أرصده من استعمالاته من خلال البحث المعمق في دواوينهم: أربعة أبيات لعنترة بن شداد، وبيتين لزهير بن أبي سلمى، وثلاثة للبيد بن ربيعة ليكون المجموع (9) تسعة أبيات ضمن (5586) بيتا شعريا مجموع أشعار دواوين أصحاب المعلقات، لتكون نسبة استعمال هذا الحرف إلى مجموع الأبيات في الدواوين (0.16%) أي سنحصل على استعمال واحد لهذا الحرف في كل ألف بيت، وهي نسبة قليلة جدا.

أما في القرآن الكريم فقد شهد هذا الحرف سعة في الاستعمال بلغت قرابة عشرين ضعفا لما كان عليه عند الشعراء؛ إذ وردت (بل) في القرآن الكريم (127) مئة وسبعا وعشرين مرَّة [1] ، وهذا يجعل النسبة المئوية لاستعملها في القرآن إلى مجموع آياته (2%) ، أي سنحصل على عشرين استعمالا لها في كل ألف آية، في حين كانت عند الشعراء مرَّة واحدة في كل ألف بيت.

المعنى العام الذي لا يفارق (بل) هو الإضراب، وثمَّة معان هامشية تُبَيِّنُ سببَ الإضرابِ قد ترافق هذا المعنى العام، سننظر في هذه المعاني الخاصة لتلك الاستعمالات في الشعر والقرآن الكريم لعلنا نتوصل إلى سبب يُفسِّرُ لنا سعة الاستعمال القرآني لهذا الحرف.

في الشعر استعمل الإضرَاب للانتقال إما من غرض إلى آخر من أغراض القصيدة التقليدية المتعددة، أو من معنى جملة إلى آخر لا على نحو الإبطال، فمن النوع الأول ما نراه عند زهير، فبعد أن انتهى من وصف الطرد والرحلة، أضرب عن ذلك وصار إلى غرضه الرئيس فبدأ في وصف ممدوحه قائلا [2] :

(البسيط)

(1) - يمكن الرجوع إلى برنامج (نور جامع الأحاديث) أو ينظر: معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم:213 - 216.

(2) - شرح ديوان زهير:48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت