يشير زهير إلى فلسفة معينة قد يكون متبعا لها في حياته، أنَّ الأهوال إذا ركبت الإنسان فليس دونها بدُّ، وأنَّ الله تعالى إذا أراد شيئا فليس دون إرادته مانع، وكذلك يُبيِّن أنَّك في هذه الدنيا إن لم تتصف بالحكمة وتنزيه النفس عن الرذائل والنواقص، فإنك أمَّا أن تجور على حليم وتظلمه، وإمّا أن يجور عليك جاهل فيظلمك. ومن الأبيات الأخرى التي استعملت فيها (أو) وكان للسياق فيها إضافة معنى خاص على الحرف قول امرئ القيس [1] :
(الطويل)
وَظَلَّ طُهاةُ اللَحمِ ما بَينَ مُنضِجٍ ... صَفيفَ شِواءٍ أَو قَديرٍ مُعَجَّل
(أو) هنا بمعنى الواو [2] فطهاة اللحم كانوا صنفين شوَّاءٌ وطبَّاخٌ بالقدر. فأصل المعنى أن طهاة اللحم كانوا بين أن يكون من الذين يشوون أو من الذين يطبخون في القدور، وفي حال سعة الكلام، أصبحت (أو) بمعنى الواو. وأكتفي بهذا القدر من التمثيل بأشعار أصحاب المعلقات ففيها كفاية.
إن المعاني الهامشية التي اكتسبها الحرف بفعل السياق، كانت مستعملة في أشعار أصحاب المعلقات، لكن أحدا من اللغويين لم يشر إليها إلاَّ من خلال حديثهم عند تفسير النص القرآني، أما استشهادهم بالآيات في إثبات أكثر المعاني التي نسبوها لـ (أو) فمردُّه كما قلتُ من قبل؛ إلى أن القرآن أوثق النصوص وأكثرها حضورا عند العلماء، والشعر أصبح أبعَد درجةً منه في الدلالة، وفي الحضور.
وبعد هذه الجولة في إثبات معاني (أو) الهامشية عند شعراء المعلقات أذكر الآن جدولا يُبَيِّنُ استعمالَ الشعراءِ لهذا الحرف، والنسب المئوية لاستعمالاتهم:
ت ... اسم الشاعر ... استعمال (أو) ... عدد أبياته ... النسبة المئوية
1 ... امرؤ القيس ... 28 ... 695 ... %
2 ... طرفة بن العبد ... 14 ... 436 ... .2%
3 ... الحارث بن حلِّزة ... 8 ... 178 ... .4%
4 ... عمرو بن كلثوم ... 11 ... 292 ... .7%
5 ... عنترة بن شداد ... 36 ... 1769 ... %
6 ... زهير بن أبي سلمى ... 48 ... 894 ... .3%
7 ... لبيد بن ربيعة ... 44 ... 1322 ... .3%
المجموع ... 189 ... 5586 ... 3.3%
من خلال النسب المثبتة في الجدول لاستعمال كل شاعر يتبين أن أكثر الشعراء استعمالا لـ (أو) كان زهير بن أبي سلمى، ففي كل مئة بيت من ديوانه نحصل على خمسة موارد يستعمل فيها (أو) ، في حين كان عنترة بن شداد أقل الشعراء استعمالا لهذا الحرف، إذ نستطيع أن نحصل في كل مئة بيت من أبياته على موردين فقط لـ (أو) . وإذا كان استعمال (أو) الرئيس للشك فنستطيع القول: إنَّ نفس عنترة كانت أكثر ثباتا ويقينا، مما جعل شعره يندر فيه استعمال حرف الشك، في حين يكون زهير أكثر شعراء المعلقات السبع اضطرابا نفسيا وقلقلا وتشككا في واقعه وحياته، حتى كان شعره الأكثر في استعمال حرف الشك، وتأتي هذه النتيجة متسقة
(1) - ديوان امرئ القيس:22، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات:97، شرح القصائد التسع المشهورات:1\ 183، شرح الأشعار الستة الجاهلية:1\ 105 - 106، خُزَانَةُ الأَدَبِ:3\ 250.
(2) - ظ: شرح ألفية ابن مالك: 209، خُزَانَةُ الأَدَبِ: 3\ 250.