نقول: إن (التي) قدَّمت لضرورات الشعر فوضعت قبل (عن) ، وكان حقها أن تكون بعدها، ولو كان القائل في غير الشعر لما قال مثل هذا الكلام.
هذه هي الأقوال التي ذكرت في معاني (عن) وقال المراديُّ عنها: (( إن هذه المعاني السابقة إنما أثبتها الكوفيون، ومن وافقهم، كالقتبي، وابن مالك، قال بعض النحويين: وهذا الذي ذهب الكوفيون إليه باطل؛ إذ لو كانت لها معاني هذه الحروف لجاز أن تقع حيث تقع هذه الحروف، فوجب أن يتأوَّل جميع ما ذكروه، مما خالف معنى المجاوزة. ) ) [1] ، أقول إن معنى إبطال قول الكوفيين في معاني (عن) يكون صحيحا إذا أريد به أن (عن) لها معان متعددة منفصلة بعضها عن بعض، أي حالها حال الاسم المشترك الموضوع لأكثر من معنى، أما إذا حمل كلام الكوفيين على أن للحرف معاني هامشية مضافة إلى معناه المركزي، يضفيها عليه السياق، فعندها يكون كلامهم - كما أعتقد - صحيحا لا غبار عليه.
كانت إثارة تلك المعاني تكثر في تفسير الآيات القرآنية، فالخطاب القرآني خطاب معجز، ومن وجوه إعجازه أنه متعدد الجوانب كلما نظر إليه المفسر من جهة أعطاه أبعادا جديدة ومعاني عميقة، وكلما تعددت القراءات له تعددت المعاني المفهومة منه، لذا كان الخطاب القرآني الأرض الخصبة لطرح الجديد من الآراء اللغوية، ومن هنا أيضًا كانت كتب (معاني الحروف) تعتمد على النص القرآني في استشهادها على المعاني التي تُعْطَى هذا الحرف أو ذاك، ولو كان الحال مقتصرا على دراسة النص الشعري لما تنوعت المعاني إلى هذا الحد، ولما ابتدعت دلالات جديدة كان القرآن الكريم رائدها.
حرف من حروف الجر، وضع لإفادة معنى الظرفية والوعاء، وربما سماه بعضهم (التضمُّن) [2] ، ولا يثبت البصريون له غير هذا المعنى [3] ، وحقيقة الظرفية هي الاستقرار والتمَكُّن، فالظرف مُستقرٌ لما يحتويه، ومتمكن منه، والظرفية تكون حقيقيةً، وعندها قد تكون زمانية أو مكانية وقد اجتمعتا في قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} (الروم: 2 - 4) ، أو مجازا، كقوله - عز وجل: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ياأُولِي الأَلْبَابِ} (البقرة من الآية:179) ، وقوله - عز وجل: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} (البقرة من الآية:208) ، وقد أثبت لها الكوفيون عددا آخر من المعاني، وبهذا يكون مثلها مثل (عن) و (أو) ؛ إذ أختلف في عدد تلك المعاني المنسوبة إليها حتى أوصلها بعضهم إلى عشرة معان [4] ، واختلف أيضًا في تسمية المعنى الذي أدته في بعض مواضع استعمالها.
ويدلُّ هذا كما أشرت آنفا على أن القدر المشترك من المعنى هو الذي يدور في خلد العلماء والمفسرين، وهو المعنى المركزي للحرف، الموضوع له أصلا، أما هذه الزيادات
(1) - الجنى الداني: 264.
(2) - ظ: الصاحبي في فقه اللغة: 157.
(3) - ظ: حروف المعاني: 12، معاني الحروف: 96، المخصص:14\ 54، المفصّل في صنعة الإعراب:381، البيان في شرح اللمع:149، المثل السائر:2\ 240، المقرب:1\ 201، شرح جمل الزجاجي:1\ 511، شرح الرضي على الكافية:4\ 279، رصف المباني:388، الجنى الداني:266، مغني اللبيب:223، جواهر الأدب:130، شرح ألفية ابن مالك:143، الإتقان:1\ 166.
(4) - المصادر نفسها.