فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 295

أشعار أصحاب المعلقات، مع شدَّة تعلق العربي بالحيوان، وطولِ صُحبَتهِ له، وكثرة رفقتهما لم يرو لنا أحد الشعراء نداء على لسان حيوان، وقد يعطي هذا انطباعا عن القرآن بأن العوالم كلها حاضرة فيه، فعالم النمل بكيانه ووجوده له مكان في كتاب الخالق العالم. وهذا يؤكد النظرة الشمولية للخلق أجمعين في كتاب الله تعالى.

وفي القرآن الكريم أيضًا نواح بلاغية في استعمال النداء مبتكرة، فقد يُضمَر المُنادِي ولا يُشَخَّصُ، كقوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (يّس:30) ، شغلت هذه الآية المفسرين حتى نقل الزركشيُّ عن ابن خالويه (ت 370 هـ) أنها من المسائل الصعبة في القرآن [1] ، وفيها أكثر من جهة للكلام، فمن جهة من المُنادِي؟، ومن جهة ثانية كيف تُنادَى (الحسرة) وهي مما لا يعقل، والنداء إنما هو للأشخاص لتنبيههم.

أما في كيفية مناداة الحسرة فقال الطوسي فيه: (( قال الزجاج: العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن أمر عظيم يقع فيه جعلته نداءً، فلفظه لفظ ما ينبه، والمنبه به غيره، كقوله {يا حسرة على العباد} وقوله {يا حسرتي على ما فرطت} و {يا ويلتا أألد وأنا عجوز} و {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا} ، فهذا أبلغ من أن يقول: أنا أتحسَّر على العباد وأبلغ من أن يقول: الحسرة علينا في تفريطنا. قال سيبويه: إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت احضر وتعال يا عجب، فانه من أزمانك. وتأويل {يا حسرتنا} انتبهوا على أنا قد خسرنا. ) ) [2] فالحسرة عند هؤلاء هي المنادي. ونُقِلَ عن آخرين أن المُنادى محذوفٌ، وحسرة مصدر أي أتحسر حسرة [3] .

أما من المنادي فهذا فيه أقوال كثيرة منها [4] :

1.لا متحسر أصلًا في الحقيقة؛ إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة، إذ تحققت الندامة عند تحقيق العذاب.

2.نقل عن مجاهد أنه من قول الله تعالى، والمراد أنهم حلُّوا محل من يُتَحَسَّر عليه.

3.يا حسرة من العباد على أنفسهم، فالمنادي هو العباد أنفسهم. أي أن يكون العباد فاعلين في المعنى، أي حين يرو العذاب يتحسَّرون على أنفسهم. وتؤيده قراءة بعض القرَّاء: (يا حسرة العباد) على الإضافة [5] ، أي: يا لتحسيرهم.

4.أن يكون العباد فاعلين في المعنى أي يَتَحَسَّرُ عليهم من يعنيه أمرهم.

5.إنه قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، فهو القائل: (يا حسرة على العباد) .

(1) - البرهان:3\ 353.

(2) - التبيان: 4\ 115.

(3) - التبيان في إعراب القرآن: 2\ 202.

(4) - ينظر في تفصيل هذه الأقوال: جامع البيان:23\ 4 - 5، معاني القرآن (النحاس) : 5\ 489، التبيان: 4\ 105،8\ 453، مجمع البيان: 4\ 39،8\ 268،270، زاد المسير:6\ 269، مفاتيح الغيب:26\ 269، التبيان في إعراب القرآن:1\ 239،2\ 202، الجامع لأحكام القرآن:15\ 22 - 23، تفسير ابن كثير: 3\ 577، تفسير الثعالبي: 5\ 11، البرهان:2\ 107، 223، لسان العرب: مادة (حسر) : 4\ 189.

(5) - ظ: مجمع البيان: 8\ 267، التبيان في إعراب القرآن:2\ 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت