فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 295

6.إنه قول القوم لما جاءهم العذاب ولم يؤمنوا بالرسل قالوا ذلك بعد أن لم يعد ينفعهم قولهم.

7.إنه قول الملائكة تتحسر على العباد في تكذيبهم الرسل، نقل عن الضحاك ومجاهد.

8.إنه من قول الرسل الثلاثة، لما قتل القوم الرجل الذي جاء من أقصى المدينة، وحل بالقوم العذاب.

9.هو من القوم أنفسهم لما قتلوا الرجل وفارقتهم الرسل الثلاثة، أو لما قتلوا الرجل والرسل الثلاثة. معناه يا حسرة على هؤلاء الرسل وهذا الرجل ليتنا آمنا بهم.

هذه أهمّ الأقوال التي قيلت في هذه المسألة، فكل نفر من المفسرين فَهِمَ المعنى كما تَبَيَّنَ أمامه وأعانته قرائن النص على فهمه، والذي اعتقده أن (المُنادي) حذف في هذه الآية عن قصد، فكلُّ من يرى هؤلاء الكفار وقد حلَّ بهم ما حلَّ من العذاب الأليم يَرِقُّ لحالهم ويتحسر عليهم أنهم لم يؤمنوا بما أرسل الله لهم من الرسل، فالملائكة يرقون لهم والناس أجمعون يوم المحشر يرقون لهم، والأنبياء والرسل يرقون لهم، ومن بلغه خبرهم في الدنيا ممن لم يعاصرهم يرق لهم ويتحسر عليهم أنهم كفروا ولم يؤمنوا، ونحن اليوم نتحسر عليهم. كل هؤلاء هم المنادون بهذا النداء: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ، ولو حدد الفاعل بواحد من هؤلاء، لم يكن المعنى يشمل الآخرين، في حين إن الآية تريد أن كل هؤلاء - سواء أكانوا مجتمعين أم متفرقين - يتحسرون على الكفار، فَحذفُ المُنادِي أو صاحب النداء كان مقصودا لغرضٍ بيانيٍّ، هو شمول أكبر عدد من المنادين بهذا النداء المؤلم الفاجع، وبهذا تكبر الحسرة والندامة على الكافرين، ويتبين عظم الخطب الذي هم فيه، وجسامة العذاب الذي يعانونه، حتى أن كل هؤلاء يرقون لحالهم، ويتحسرون؛ لأن أولئك الكفار جحدوا ربهم وكفروا بأنعمه وكذَّبوا رسله وقتَّلوا أنبياءه.

ولما حذف المُنادي ولم يشخص، صار الأنسب مع السياق والأكثر انسجاما أن يحذف المُنادَى أيضًا، ذلك أن كل منادي ينادي من يخصهم من قومه أو صنفه؛ أي سوف يختلف تقدير المُنادَى باختلاف تقدير المُنادِي، فلما حذف الأول ناسب المقام أن يحذف الثاني ليصبح الفضاء أوسع في فهم النص، والمجال أرحب في تقدير كل منهما بما يناسب الحال.

هذا الحذف أعطى النص القرآني قدرة كبيرة على إيصال معنى أو معانٍ كثيرةٍ بالألفاظ القليلة، بطريقة يعجز عنها غير السياق القرآني، وحقا لم أرصد مثل هذا الاستعمال البليغ لأسلوب النداء في أشعار أصحاب المعلقات؛ إذ كانت الأمور مقدَّرة بأصولها فالمُنَادِي حاضر والمُنَادَى موجود والنداءُ مفهوم بجزئياته الدقيقة الواقعية، مما جعل المعنى في ذلك الشكل القياسي محددا غير قابل للتوالد واستمرار التجديد فيه.

ويقترب من الآية المتقدمة في الدلالة قوله تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} (الزمر:56) ، فالمنادِي في هذه الآية الكريمة (نفسٌ) وهي نكرة، وأعتقد أنَّ التنكير كان مقصودا هنا أيضا؛ ليفسح الطريق أمام المعنى ليُدخلَ عدد أكبر من القائلين هذا القول من التحسر على التفريط في جنب الله، ويمكن مع هذا التنكير أن يكون القائلون من مراتب مختلفة من البشر، وسيكون التفريط مختلفا في معناه بحسب تقدير تلك النفس القائلة هذا القول، فالكافر فرَّط في جنب الله، والمسلم العاصي الذي اقترف بعض الذنوب فرَّط في جنب الله والمؤمن الرقيق الإيمان قد فرط في جنب الله، لكن تفريط كل من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت