فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 295

الإسلام ولا بعده حتى يومنا هذا [1] ، ولماذا نقيس على شيء نادر الاستعمال ولم نجد شاهدا على استعماله في كلام العرب البليغ.

أما الفرع الثالث من الوجه الأول الذي ذكروا فيه أنَّ كي تدخل على (أن) المصدرية المضمرة، نحو قولهم: (جئتك كي تكرمني) ، فيما إذا قدَّرت النصب بـ (أنْ) ، وعندها تكون (كي) حرف جر قريب من اللام [2] ، أقول هذه من فذلكة النحاة، وتحميلهم الأشياء فوق طاقتها واستحقاقها، ولماذا كل هذا التعقيد وتأويل المضمر؟ وعندنا قاعدة تشير إلى أن عدم التأويل أولى من التأويل. إن (كي) في قولهم (جئت كي تكرمني) ، هي (كي) الناصبة وقد عملت في الفعل بمباشرتها إياه، وليست بنا حاجة إلى تأويل عامل مضمر عمل في الفعل؛ إذ العامل الفعلي الحقيقي موجودٌ وظاهر في الكلام، فلا ضرورة لتركه وتقدير عامل آخر، أما معنى بيان الغاية فهو واضح من قوَّة السياق وترشح معنى التعليل من (كي) ، ولو أردنا أن نُبدل (أن) مكان (كي) في هذه الجملة افتراضا، فإن المعنى سيبقى واضحا، وفيه دلالة ما على غاية المجيء وسببه، فإذا ما استعملت (كي) برز ذلك المعنى وصار التعليل أوضح، لما قلنا من إن (كي) صار ملاصقا لها معنى التعليل.

إن (كي) حرف ناصب كما قال الكوفيون، وقد اكتسب معنى التعليل نتيجة استعماله مقترنا باللام كثيرا، وأصبح التعليل من ظلال معناه العام ولا يكاد يفارقه، إذ كان في أكثر استعماله في الشعر والقران مقترنا باللام التي تفيد التعليل.

عاشرا:(مِنْ)

في الوقت الذي ذكر فيه بعض النحاة لـ (مِن) معنى واحدا لا تفارقه هو ابتداء الغاية [3] ، نجد من كثَّرَ المعاني التي نسبت لهذا الحرف حتى أوصلوها إلى خمسة عشر معنى، منها التبعيض نحو: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ} (البقرة من الآية:253) ، و بيان الجنس نحو: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} (فاطر من الآية:2) ، ومنها التعليل كقوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ} (البقرة من الآية:19) ، والبدل نحو: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} (التوبة من الآية:38) ، و (من) الحروف التي كثر التناوب فيها فكانت تتناوب مع حروف أخرى فتأتي بدلا منها، فقد قيل إنها استعملت بمعنى (عن) كما في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر من الآية:32) ، واستعملت بمعنى (في) نحو {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} (فاطر من الآية:40) ، وكذلك استعملت مكان (الباء) و (على) واستعملت موافقة لـ (عند) وغير هذه من المعاني [4] .

(1) - أجريت إحصاءا شاملا للشعر العربي من خلال برنامج (الموسوعة الشعرية\3) والتي تحتوي على أكثر من مليونين وأربعمئة ألف بيت شعري لـ (2300) شاعر، فلم أضفر إلاَّ ببيت واحد لسعد الكرمي (ت 1935 م) يستعمل فيه (كيمه) وهذا أبعد من أن يستشهد به.

(2) - ظ: شرح ألفية ابن مالك: 261 معاني الحروف: 99 - 100، شرح المفصل: 8\ 49، رصف المباني 215، الجنى الداني: 276، مغني اللبيب: 241، جواهر الأدب: 133.

(3) - ظ: الكتاب:4\ 224، المقتضب:1\ 44، 4\ 136 - 137، معاني القرآن (الأخفش الأوسط) :2\ 337، المفصَّل في صنعة الإعراب:379، شرح المفصل: 8\ 10 - 14، الإنصاف في مسائل الخلاف: 1\ 370،المقرب:1\ 198، شرح جمل الزجاجي: 1\ 490، تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد:144، دراسات لأسلوب القرآن الكريم:3\ 323.

(4) - ظ: حروف المعاني:50، 76،82، معاني الحروف:97 - 98، رسالتان في اللغة:49، أسرا العربية:233، المخصص:14\ 53، اللباب في علل البناء والإعراب:1\ 353، البيان في شرح اللمع:147 - 148، شرح جمل الزجاجي:1\ 484، شرح ألفية ابن مالك:141، ارتشاف الضرب:2\ 441 - 443، رصف المباني:322 - 325، الجنى الداني:314 - 323، مغني اللبيب:419 - 431، أوضح المسالك:3\ 21 - 28، دراسات لأسلوب القرآن الكريم:3\ 323 - 421، التراكيب اللغوية في العربية:70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت