(الطويل)
فقُلتُ لَها أَيُّ القَبائِل تُنسَبى ... لَعَلِّي بَينَ النَّاسِ في الشِّعرِ كَي أُسَل
وكذلك صرَّح بعض العلماء بأنها في جاءت مصدرية في قوله تعالى [1] : {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (الحشر: من الآية 7) [2] ، فهي هنا وإن كانت غير مقترنة باللام مصدرية. وكذلك صرَّح اللغويون بأنها حرف مصدري، قال ابن منظور: (((كي) : حرف من حروف المعاني ينصب الأفعال بمنزلة (أن) ، ومعناه العلَّة لوقوع الشيء، كقولك: جئت كي تكرمني، وقال في التهذيب: تنصب الفعل الغابر. )) [3]
أمَّا استعمالها جارة بصيغة (كيمه) فلم ترد في القرآن قَطُّ. وفي الشعر لم تستعمل في دواوين أصحاب المعلقات سوى عند عنترة، فقد استعملها ثلاث مرات: قال عنترة [4] :
(الطويل)
شَكَت سَقَمًا كَيما تُعادُ وَما بِها ... سِوى فَترَةِ العَينَينِ سُقمٌ لِعائِد
نقلت فيما تقدم قول النحاة أنها في (كيما) تكون (كي) قد دخلت على (ما) المصدرية، وإنها بمنزلة (لام) التعليل في المعنى والعمل، وأنا هنا أظن أن معنى التعليل أصبح ملاصقا لـ (كي) من خلال الاستعمال العام واقترانها فيه بـ (اللام) ، و (كي) باقية على حالها الأصلي، أقصد مصدرية ناصبة فيها معنى التعليل، و (ما) هنا كافة لها عن العمل [5] ، ليكون تقدير الكلام في بيت عنترة: شكت سقما لأجل أن تُعَادَ. والذي يؤيد هذا إن عنترة استعملها في البيت الثالث وقد أدخل عليها اللام قائلا [6] :
(الكامل)
وَسَلي لِكَيما تُخبَري بِفَعائِلي ... عِندَ الوَغى وَمَواقِفِ الأَهوال
ولو كانت (كي) في مثل هذا الموضع حرف جرٍّ لما جاز له أن يدخل عليها حرف جر آخر، فهي باقية على معنى المصدرية الناصبة، ومعنى التعليل أضيف إليها من السياق نتيجة لاقترانها باللام كثيرا.
وقد تنبه الكوفيون على ما يبدو إلى هذا فقالوا: إن (كي) ناصبة دائما [7] ، وهم على حق في هذا، لكنَّ ابن هشام ردَّ عليهم وأشكل بـ (كيمه؟) كما يقولون (لمه؟) ، أقول ليس من يقين أن تكون (كيمه) هي (كي) الداخلة على (ما) الاستفهامية، ومن ثم تحولت (الألف) إلى (هاء) ، ولماذا لا نعتقد أنَّ (كيمه) كلمة واحده تدلّ على الاستفهام، كانت مستعملة قديما، وانحسر استعمالها وتلاشى، حتى أننا لم نجدها ترد في القرآن الكريم ولا في الشعر العربي لا قبل
(1) - ظ: الجامع لأحكام القرآن: 18\ 16، مغني اللبيب: 242.
(2) - هذه إحدى الآيات الأربع التي جاءت فيها (كي) غير مقترة باللم والثلاثة الباقية هي: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا} (طه:33) و {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَن} (طه: من الآية 40) و {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ} (القصص: من الآية 13) .
(3) - لسان العرب: مادة (كيا) : 15\ 236.
(4) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 40.
(5) - نقل هذا ابن هشام عن بعضهم، ينظر: مغني اللبيب: 241، وينظر معه: الإنصاف في مسائل الخلاف: 2\ 572 - 573.
(6) - ديوان عنترة (مولوي) : 336.
(7) - ظ: مغني اللبيب: 242.