فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 295

سَعى بَعدَهُم قَومٌ لِكَي يُدرِكوهُمُ ... فَلَم يَفعَلوا وَلَم يُليموا وَلَم يَألوا

و معنى التعليل في البيت واضح. ومن استعمالها مقترنة باللام قول لبيد [1] :

(الطويل)

لِكَي ما يَكونَ السَندَرِيُّ نَديدَتي ... وَأَجعَلَ أَقوامًا عُمومًا عَماعِما

في حين جاءت (كي) في أربعة أبيات فقط عَارية من اللام منها، منها قول لبيد [2] :

(الطويل)

وَمُصعَدُهُم كَي يَقطَعوا بَطنَ مَنعِجٍ ... فَضاقَت بِهِم ذَرعًا خَزازٌ وَعاقِلُ

وفي القرآن الكريم بقي استعمال هذا الحرف متسقا مع ما كان علية عند الشعراء، بل مطابقا له؛ إذ استعمل مع اللام ست مرات [3] من أصل عشر، وكل الموارد الست التي دخلت (اللام) فيها على (كي) في القرآن كانت تأتي بعدها (لا) قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرا} (الأحزاب: من الآية 37) ، وقال - عز وجل: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ} (آل عمران: من الآية 153) ، وهذه (اللام) كما يقرره النحاة هي لام التعليل، فالتعليل إذن مستفادٌ من (اللام) ، ولما كان اقتران (اللام) بـ (كي) في (60%) من استعمالها في القرآن والشعر، صار معنى التعليل ملازما لها، أي إن التعليل ترشح لها من اللام الملازمة لها دوما، وإلاَّ فهي مصدرية مثل (أن) . قال أبو علي الفارسيّ (( فـ(كي) بعدَ اللام لا يخلو من أن يكون ناصبا للفعل بنفسه، أو بإضمار حرفٍ، فلا يجوز أن يكون بإضمار حرفٍ؛ لأنَّ الحرف إنَّما يُضمرُ بعدها إذا كانت داخلة على الاسم كلام الجرِّ، ... ، فإذا لم يجز أن يكون (كي) في قولك: جئت لكي تفعل وفي قوله تعالى: {لِكَيْلا تَأْسَوْا} (الحديد: من الآية 23) ، التي ينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن) ثَبُتَ أنَّها هي الناصبة للفعل بنفسها. )) [4] ، قاعدة عدم جواز دخول حرف جر على حرف آخر كانت ستخرق هنا إذا ما قيل بأن النصب بحرف مقدر؛ لذا رفض هذا القول أبو علي وغيره من النحاة، وأقروا بأنها هنا مصدريَّة ناصبة.

وعندما جاءت (كي) وحدها من غير اللام برز الخلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنها المصدرية نفسها، وإن الفعل بعدها منصوب بها، ومنهم من قال: إنها جارّة بدل اللام، والنصب بـ (أن) مضمرة بعدها، وهي تفيد التعليل [5] ، وأعتقد أنَّ الذي دفعهم لهذا القول رسوخُ معنى التعليل فيها؛ لقربها المستمر من اللام واقترانها الدائم بها. ويؤيد صحة كونها مصدرية: (( حلول(أن) محلها، ولأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل. )) [6] .

إن معنى المصدرية واضح في بيت امرئ القيس [7] :

(1) - شرح ديوان لبيد: 286.

(2) - شرح ديوان لبيد: 265.

(3) - استشهدنا هنا بثلاثة منهن والبقية: {لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} (الأحزاب: من الآية 50) و: {لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} (الحج: من الآية 5) ، و {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} (الحديد: من الآية 23) .

(4) - البغداديات: 195 - 196.

(5) - ظ: رصف المباني: 215 - 216، مغني اللبيب: 242.

(6) - مغني اللبيب: 242.

(7) - ديوان امرئ القيس: 467.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت