فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 295

ثانيا:(إلى)

(إلى) حرفُ جرٍّ كثيرُ الاستعمال في اللغة العربية، اتفق الجميع على أن أشهر معانيه وأكثرها استعمالا دلالته على انتهاء الغاية، وهو معناه المركزي. والغاية قد تكون زمانية، نحو قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} (البقرة من الآية:187) ، وقد تكون غاية مكانية كقوله - عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} (الإسراء من الآية:1) ، وربما قسَّمها بعضهم على: غايةٍ حسِّية كقولهم: (سرت إلى بغداد) ، وغايةٍ حكميَّةٍ، نحو (مَالَ قلبي إلى عليٍّ) . و (إلى) عند البصريين لم يوضع إلاَّ لمعنى الانتهاء، وكل ما استعمل فيه بغير هذا المعنى راجع إليه بالتأويل، أو استعمل فيه على التضمين من باب التوسع، فالانتهاء إما هو المعنى الوحيد أو أصل المعاني، وكان كثير منهم يصرح بهذا. قال المراديُّ: (( إن أكثر البصريين لم يثبتوا لها غير معنى انتهاء الغاية، وجميع هذه الشواهد عندهم متأوَّل. ) ) [1] .

وفي دخول ما بعدها في حكم ما قبلها أقوال، في حالة وجود قرينة تدلُّ على الدخول أو الخروج عُمِلَ بها، كقولنا في الدخول: (قرأتُ القرآنَ من أوله إلى آخره) فهنا نريد الكُل وآخرُ القرآن جزءٌ منه، والقارئ قد قرأه، فهو داخل في حكم ما قبله، وهذه القرينة عقلية، ومثال الخروج كما في آية تحديد وقت الصيام، أو في قوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (البقرة من الآية 280) ، إذ دلت القرائن على أن الصيام حتى الليل، ولا يدخل الليلُ في وقته، وكذلك تدل القرائن على أن الغَريمَ إن كان مُعسرًا فينتظر حتى وقت يكون فيه ميسورا، فيستوفى منه الحق، ولا يجوز عقلا أن يدخل وقتُ يَسَارِه في حكم ما قبل (إلى) وهو الانتظار. وإن لم تكن قرينةٌ تدل على الدخول أو الخروج، فيبدو أن أصح الأقوال عدم الدخول مطلقا سواء أكان من جنس ما قبله أم لا [2] .

يُبنَى على مسألة دخول ما بعد (إلى) في حكم ما قبلها أو عدم دخوله بعض الخلافات الفقهية للأحكام المستنبطة من نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة، وأشهر أمثلتها آية الوضوء: {فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة من الآية:6) فدخول المرافق في حد المغسول، والكعبين في حد الممسوح، ومدى وجوب ذلك وما مقدار الداخل كل هذا مبنيٌّ على هذا الخلاف اللغوي، وهنالك أمثلة فقهية كثيرة غيرها، والفيصل في المسألة - كما أعتقد - أن نرجع دخول الغاية أو عدم الدخول إلى كونه دلالة هامشية يدلُّ عليها السياق عن طريق القرائن المختلفة العقلية والنقليَّة التي تصاحب النص، وتكون عونا على تفسيره وفهم المراد الحقيقي منه أو ما هو أقرب إلى الحقيقة، فمعنى (إلى) الذي هو الانتهاء

(1) - الجنى الداني:376، وينظر معه: الكتاب:4\ 231، اللمع في العربية:149، الصاحبي في فقه اللغة:132، المخصص:14\ 57، المفصَّل في صنعة الإعراب:380، البيان في شرح اللمع:149، شرح المفصل:8\ 14، اللباب في علل البناء والإعراب:1\ 356، المقرب:1\ 199، تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد:145، شرح الرضي على الكافية:4\ 271، رصف المباني:80، مغني اللبيب:104، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك:3\ 74، جواهر الأدب:202، همع الهوامع:2\ 20.

(2) - ظ: البيان في شرح اللمع:149، شرح المفصل:8\ 14 - 15، شرح الرضي على الكافية:4\ 271، رصف المباني:80، الجنى الداني:373، مغني اللبيب:104، جواهر الأدب:202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت