فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 295

يدلُّ على ملامسة ما يُنتَهَى إليه، أما الدخول وعدمه فهذا القدر يعتمد على نحو كبير على السياق فهو إضافة على المعنى الرئيس.

أما المعاني الأخرى التي نسبت إلى هذا الحرف فقد أوصلها بعضهم إلى سبعة غير المعنى الرئيس، من أشهرها أنها تكون بمعنى (مع) وهو معنى المَعيَّة أو المصاحبة، وذلك إذا ضممت شيئا إلى آخر، نَقلَ هذا المعنى بعضُ العلماءِ عن الكوفيين وحُكِيَ عن بعضِ البصريين مثل ابن مالك أيضًا، وصرَّح بعضهم بأن التحقيق يرجع بهذا المعنى إلى معنى الانتهاء [1] ، أي يرجع به إلى المعنى المركزي للحرف، ومثاله قوله تعالى: {قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} (آل عمران من الآية:52) ، وكذلك قوله - عز وجل: {وَلاَ تَأْكُلُو ا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} (النساء من الآية:2) ، وحمل على معنى المصاحبة أيضًا قول امرئ القيس [2] :

(الطويل)

لَهُ كَفَلٌ كَالدِّعْصِ لَبَّدَهُ النَّدى ... إِلى حارِكٍ مِثلِ الغَبيطِ المُذَأَّب

أي مع حاركٍ [3] مثل الغبيط. قال الفراء عن الآية الأولى: (( المفسرون يقولون: من أنصاري مع الله، وهو وجه حسن. وإنما يجوز أن تجعل(إلى) موضع (مع) إذا ضممت الشيء إلى الشيء مما لم يكن معه. )) [4] ، وكان بعض النحاة البصريين يوجهون ذلك بأن (إلى) على بابها، والمعنى فيه توسعٌ، وقد عقد ابن جني بابا لاستعمال الحروف بعضها مكان بعض قال فيه: (( هذا باب يتلقاه الناس مغسولا ساذجا من الصنعة، وما أبعد الصواب عنه وأوقفه دونه، وذلك أنهم يقولون: إن(إلى) تكون بمعنى (مع) ويحتجون لذلك بقول الله سبحانه {من أنصاري إلى الله} أي: مع الله، ... ، ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا لكنا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع على حسب الأحوال الداعية إليه والمسوغة له فأما في كل موضع وعلى كل حال فلا، ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غفلا هكذا لا مقيدا لزمك عليه أن تقول سرت إلى زيد وأنت تريد معه، ... ، اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر وكان أحدهما يتعدى بحرف والآخر بآخر فإن العرب قد تتسع، فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر فلذلك جئ معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه، وذلك كقول الله عزَّ اسمه: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} (البقرة من الآية:187) وأنت لا تقول رفثت إلى المرأة وإنما تقول: رفثت بها أو معها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء وكنت تعدى أفضيت بـ (إلى) كقولك: أفضيت إلى المرأة، جئت بـ (إلى) مع الرفث إيذانا وإشعارا أنه بمعناه، ... ، وكذلك قول الله تعالى {من أنصاري إلى الله} أي مع الله، وأنت لا تقول سرت إلى زيد أي معه لكنه إنما جاء {من أنصاري إلى الله} لما كان معناه: من ينضاف في نصرتي إلى الله فجاز لذلك أن تأتى هنا (إلى) . )) [5] ، وكان هذا رأي النحاة البصريين الآخرين أيضا [6] ، وفي كلام ابن جني أبعَادٌ مُتعددة، فقد انتقد فيه القائلين بنظرية تناوب

(1) - ظ: الصاحبي في فقه اللغة: 132، شرح المفصل:8\ 15، الجنى الداني:373 - 374، مغني اللبيب:104، جواهر الأدب:202، الإتقان:1\ 153، همع الهوامع: 2\ 20.

(2) - ديوان امرئ القيس: 47، وينظر معه تناوب حروف الجر في لغة القرآن:88.

(3) - الحارك: أعلى الكاهل، وقيل فرع الكاهل، وقيل الحارك منبت أدنى العرف إلى الظهر الذي يأخذ به الفارس إذا رُكب، وقيل الحارك عظم مشرف من جانبي الكاهل اكتنفه فرعا الكتفين، قال الجوهري: الحارك من الفرس فروع الكتفين وهو أيضا الكاهل. ظ: لسان العرب: مادة (حرك) :10\ 410.

(4) - معاني القرآن: 1\ 218، وينظر معه: جامع البيان: 4\ 153، 305، تأويل مشكل القرآن:428، أحكام القرآن:2\ 77،334، التبيان:2\ 473، مجمع البيان:3\ 9، مفاتيح الغيب: 9\ 482.

(5) - الخصائص: 2\ 306 - 311، وينظر معه: الأشباه والنظائر:1\ 232.

(6) - اللباب في علل البناء والإعراب: 1\ 356.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت