فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 295

الحروف، ورجع المعنى في الجملة إلى تضمين الفعل معنى فعلٍ آخرَ، فيُعدَّى الفعلُ الأوًّلُ بالحرف الذي يُعدَّي به الفعلُ الثاني ليكون أمارةً تُبَيِّن إشراب الفعل معنى الفعل الآخر، لكنه رجع إمكانية ادعاء أن الفعل ضُمِّن معنى فعل آخر إلى الأحوال الداعية إليه والمسوغة له، وذلك لا يكون في كل موضع كما قال، وفي هذا إشارة إلى أثر السياق في تحميل هذا المعنى، لكن ابن جني والبصريين يقولون بأن الفعل ضُمِّن معنى آخر، وفي هذه الدراسة أقول: إن الفعل باقٍ على بابه ومعناه، لكنه يُعَدَّى بحرف معين لغرض معين، أي لإيصال معنى معين يؤدي الحرفُ جزءا منه عن طريق معناه المركزي وما يُحَمِّله السياق إياه من معنى مضاف إلى ذلك المعنى.

وأكرر القول إن استعمال الحرف بمعنى هامشي معين وتغليبه في سياق ما على المعنى المركزي سمة خاصة بالنصوص البليغة، ولا يجوز للمتكلم بالمستوى العادي اليومي أن يخرج إليه ابتداء، أي لا يحق له أن يبتدع مثل ذلك الاستعمال، في حين إن ذلك جائز للشعراء الذين وصفوا بأنهم (( أمراءُ الكلامِ يُصرفونَه أنَّى شاءوا. ) ) [1] ؛ وقصر هذه المزية على الكلام البليغ يحفظ للغة سمتها العام، واستعمالها المتعارف.

وفي ضوء ما يطرحه ابن جني والبصريون يفسر الزجاج (تأكلوا) بمعنى (تضيفوا) أو (تجمعوا) إذ يقول: (( لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم، أي إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم. ) ) [2] ، وكان النحاس يقول: (( قيل المعنى(مع أموالكم) والأجود أن تكون (إلى) في موضعها، ويكون المعنى ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم. )) [3] (( أيْ: لا تجمعوا بينهما فتأكلوهما. ) ) [4] ، وقال الزمخشريُّ: (( ولا تضموها إليها في الإنفاق، حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلَّةَ مبالاةٍ بما لا يحل لكم. وتسويةً بينه وبين الحلال. ) ) [5] ، إن تفسير الآية الكريمة على هذا النحو ممكنٌ، وله وجهٌ، لكنه تفسيرٌ بسيطٌ أوليٌ، لا يضفي على الآية تلك الحركة والروح التصويريَّة الحيَّة التي تتميز بها آياتُ القرآن الكريم.

في حين لو أردنا فهم الآية في ضوء نظرية المعاني الهامشية فقد نستطيع القول: عبَّرت الآية بالأكل وكانت تريد أوجه النفع المختلفة [6] التي يتمكن الإنسان بها من الاستحواذ على مال اليتيم، وإتلاف ذلك المال قبل تمكن اليتيم من البلوغ واستحصال أمواله، وتعبيرُ الآية عن هذا المعنى بالأكل لتُصَوِّرَ لنا بشاعة ذلك العمل، كما صوَّرت لنا معنى الغِيبَةِ بصورةٍٍٍ بشعةٍ في قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات من الآية:12) لتُنَفِّرَ منه المؤمنين، أما تعدية أكل بـ (إلى) في الآية فهو مقصودٌ بلا ريب، فالآية الشريفة تريد: أنكم تأخذون أموالهم لتضموها إلى أموالكم، فأنتم أصحابُ أموال ولستم فقراء، وإلاَّ لو كانوا فقراء فقد جوز لهم القرآن الكريم في موضع آخر أن يأكلوا من أموال اليتامى بالمعروف، فقد قال تعالى بعد بضع آيات: {وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء من الآية:6) ، ففي هذه الآية الكريمة المعنى المراد بالأكل ليس هو نفسه المراد في الآية المتقدمة (النساء:2) ، فهنا يراد به الأكل المتعارف الذي يقيم به الإنسان حياته، أما في تلك الآية فالمراد به استحواذ الأغنياء على أموال اليتامى إسرافا وبدارا أن يكبروا لينتهوا بها إلى أموالهم، إن تفسير المعنى من هذه الزاوية وعلى وفق هذه الرؤية أراه أكثر حيويَّة، ويشعرنا بالحركة التي يتميز بها النص القرآني، ويبعده عن

(1) - زهر الآداب:2\ 633.

(2) - معاني القرآن وإعرابه:2\ 7.

(3) - معاني القرآن:2\ 9

(4) - إعراب القرآن (النحاس) : 1\ 392.

(5) - الكشاف: 1\ 494، وينظر معه: مفاتيح الغيب:9\ 483 - 484، البحر المحيط: 3\ 493 - 500.

(6) - أحكام القرآن: 2\ 63، 3\ 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت