الجمود لو فُسِّرَ في ضوء نظرية البصريين المعتمدة على التضمين. إذن (إلى) باقيةٌ على معناها دالَّة على انتهاء الغاية، وَحَمَّلها السياقُ معنى إضافيا هو دلالتها على الجمع، إذ ستجمع أموال اليتامى مع أموال الأغنياء، وإبقاء الفعل (تأكلوا) على دلالته الأصلية يكون أكثر خدمة للنص في تصوير المعنى المراد.
ونسب أيضا إلى (إلى) أنها تأتي بمعنى (في) وذلك في قوله تعالى [1] : {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (النساء من الآية:87) ، وجعل أبو عبيدة منه قوله - عز وجل - [2] : {قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} (آل عمران من الآية:52) ، وجعل بعض المفسرين المتأخرين منه قوله تعالى: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (آل عمران:12) إذ يقول: (( وتحشرون عطف على ستغلبون والمراد في الآخر إلى جهنم وهى غاية حشرهم ومنتهاه فـ(إلى) على معناه المتبادر، وقيل بمعنى في والمعنى أنهم يجمعون فيها. )) [3] , وجُعِلَ منه قول طرفة [4] :
(الطويل)
وَإِن يَلتَقِ الحَيُّ الجَميعُ تُلاقِني ... إِلى ذِروَةِ المَجدِ الكَرِيمِ المُصَمَّد
أي في ذروة المجد [5] ، وتأول بعضهم هذه المواضع على تعلق (إلى) بمحذوف، وقال آخرون هو على التضمين [6] ، وجعله المالقيُّ موقوفا على السماع لقلَّته [7] .
إن التَفكُّرَ في معاني هذه المواضع التي استُشهِدَ بها لإثبات معنى (في) لـ (إلى) يجعلني أميل كثيرا إلى إبقاء (إلى) على معناها المركزي، وجعل الظرفية معنى هامشيا في مثل هذه الأمثلة؛ لأن السياق يحتمل إضافة مثل هذا القدر من المعنى للحرف، ففي قوله تعالى {وتحشرون إلى جهنم} المعنى: يُنتَهَى بهم إلى جهنم، وأن جهنم هي غاية ما يصلون إليه يوم القيامة، فلا تنفعهم أعمالهم التي اقترفوها في حياتهم، وليس هنالك من سبيل ليتجاوز عن خطاياهم، فينتهي بهم الحال إلى النار، أما كون جهنم ظرفا لهم فهذا معنى مفهوم من السياق القرآني العام، ومن مجموع الآيات التي عالجت مثل هذا الموضوع.
وكذلك المعنى في قوله - عز وجل: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فالمعنى هنا إذا ما قدِّر (ليجمعنكم في يوم القيامة) يختلف تماما عمَّا هو عليه في الآية الكريمة، ففي الآية يجمعون على ما روي في القبور إلى يوم القيامة، فيوم القيامة هو منتهى جمعهم ليقوموا للحساب، أما إذا ما قدِّر بـ (في) سيكون الجمع في ذلك اليوم وليس قبله، وهنالك فرق بين المعنيين لا يمكن تجاوزه. ولكن إذا قدِّر بقاء (إلى) على معناها المركزي، وإضافة معنى هامشي هو معنى الظرفية لـ (إلى) في هذا الموضع سوف يكون المعنى أغنى وأعمق، واستفادة هذا المعنى الهامشي ليس من السياق المباشر لهذا النص بل هو من سياق الآيات القرآنية العامة التي تناولت موضوع جمع الناس في يوم الحساب، وعندها يكون ذلك اليوم ظرفا ووعاءً للناس. فالسياق العام للنص
(1) - ظ: حروف المعاني: 79، مجاز القرآن: 1\ 94، رصف المباني: 83، مغني اللبيب: 105، همع الهوامع:2\ 20.
(2) - مجاز القرآن: 1\ 94.
(3) - روح المعاني: 3\ 95.
(4) - ديوان طرفة بن العبد:25، ديوان طرفة (درية الخطيب) : 43، وينظر معه: معاني الحروف:115، رصف المباني:83، تناوب حروف الجر في لغة القرآن:85.
(5) - ظ: معاني الحروف:115، رصف المباني:83، الأزهية:284، خُزَانَةُ الأَدَبِ:9\ 469، تناوب حروف الجر في لغة القرآن:85.
(6) - ظ: مغني اللبيب: 105.
(7) - ظ: رصف المباني: 83.