فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 295

يوحي بإمكانية إضافة قدر من المعنى إلى المعنى المركزي للحرف. وهذا التأويل يكون أليق بالمعنى وأحفظ لخصوصياته.

وفي بيت طرفة كذلك هنالك فرق في المعنى إذا ما قدَّرنا معنى (إلى) بالظرفية فقط وتركنا معناه الأصلي، فالشاعر كما يبدو لم يكن يريد أنه في ذروة المجد فقط، بل هو يقول إنه ينتهي إلى ذروة المجد فآباؤه وأجداده هم ذروة المجد وهو ينتهي إليها، فقد جعل أصله وأرومته هي ذروة المجد، ولم يرد أنَّ هنالك ذروة للمجد وهو يحل فيها، والمعنى على هذا التأويل يكون أعمق، ولا ينافي هذا أن يكون معنى الظرفية لمن يريد أن يستشعره من النص ممكن أن يكون معنى هامشيا، وبهذا نضيف إلى المعنى معنى آخر، ولا نخرج به إلى معنى قد ينقص قيمة التصوير الفني للنص الأدبي. وبذا يتأصَّل ما حاول البحث إثباته من إن نظرية المعنى المركزي للحرف والمعاني الهامشية تجعل المعنى متحركا، وحيويا، ومتفاعلا مع قدرات المتلقي في فهم النص وتأويله من زوايا متعددة تغني المعنى وتعمقه.

ومن المعاني التي قيل إن (إلى) تأتي بها معنى اللام، إذ جعل الفراء منه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُو ا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَائِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ} (هود من الآية:23) ، قائلا: (( معناه تخشعوا لربهم والى ربهم، وربما جعلت العرب(إلى) موضع اللام. )) [1] ، في حين قال الرازي: (( «أخبت» أي دخل في الخبت، كما يقال فيمن صار إلى نجد أنجد وإلى تهامة أتهم، ومنه المخبت من الناس الذي أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه، ولفظ الإخبات يتعدى بـ(إلى) وبـ (اللام) ، فإذا قلنا: أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه، وإذا قلنا أخبت له فمعناه خشع له. )) [2] .

صحيح أن (خبت وأخبت) يتعدى بالحرفين، لكن معناه مع كل منهما يختلف عن معناه مع الآخر، (فأخبت له) أي لأجله، وأخبت إليه أي اطمئن إليه فكان غايته في الطمأنينة، فالآية الكريمة تريد أن تبيِّن صنفا من الناس هم المؤمنون، فعرفتهم بأنهم عملوا الصالحات وأنهم انتهوا في خشوعهم وتضرعهم إلى الله، فكانت الذات الإلهية المقدسة هي غاية ما يطلبون في الخشوع والتضرع. وهذا المعنى يختلف إذا ما أردنا استبدال (اللام) بـ (إلى) لأنها تفيد معنى التعليل والسببية، وعندها سيكون المعنى أنهم خشعوا لأجل الله. نعم في هذه الآية خصوصية هي اتحاد الغاية والسبب، فهؤلاء المؤمنون خافوا الله حق خوفه، فخشوه وتضرعوا إليه وتضرعوا له، فإذا قلنا بتناوب الحروف فسيفقد النص شطرا من معناه، وإذا قلنا بالتضمين فسنفقده أيضا جزءا من معناه، أما إذا قلنا: إن (إلى) له مع معناه المركزي زيادةٌ في المعنى هي معنى اللام التعليلية ففي هذه الحالة سنحفظ للنص حيويَّته ونعطيه بعدا محمودا نَتَبَيَّنُ خلاله السبب والغاية في هذه الآية الكريمة متحدان. إن قوَّة المعنى المركزي إلى المعنى الهامشي ليست واحدة في النصوص كلها فقد يطغى المعنى المركزي على المعنى الهامشي بقوَّة في نص ما وقد يظهر المعنى الهامشي على المعنى المركزي في نصٍّ آخر وقد يتساويان في الظهور، ويبقى المعنى المركزي دائما له وجود ولو كان قليلا.

هذه أشهر المعاني التي نسبت إلى (إلى) وهنالك غيرها يمكن الرجوع إليها في أماكنها، ومن خلال تتبع هذه المعاني أستطيع أن أقول: إن نظرية المعنى المركزي والمعاني الهامشية يمكن أن تُطبَّق بنجاح على هذا الحرف، وتحلَّ بديلا طبيعيا مكان نظريتي التناوب والتضمين.

(1) - معاني القرآن:2\ 9، وينظر معه جامع البيان:12\ 16، الجنى الداني: 374، مغني اللبيب:104، البرهان: 4\ 234، نظرية الحروف العاملة:197، تناوب حروف الجر في لغة القرآن:86.

(2) - مفاتيح الغيب: 17\ 335، وينظر معه مادة (خبت) في: العين:4\ 241، لسان العرب: 2\ 27 - 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت