هذه المعاني الجزئية التي ذكرت بعضا منها في الإضرَاب الذي هو للانتقال لم أكن أجد من يشير إليها من المفسرين واللغويين، بل يمكن أن يصل إليها المُتأمل للنص القرآني، إذا ما أعمل فكره فيه، ووفقه الله لِتَفهُّمِ معاني كتابه الكريم. إن هذه المعاني الجزئية هي إضافات للمعنى العام الذي هو الإضرَاب، فـ (بل) معناه العام الذي لا يفارقه الإضرَاب، لكننا قد ننظر إلى غاية الإضرَاب فنجدها تختلف من نص إلى آخر، وقد ننظر إلى سبب الإضرَاب فنجده كذلك مختلفا من آية إلى أخرى، وقد ننظر إلى حيثيات أخرى فيه فتكون مختلفة أيضًا، ومع كل اختلاف ينشأ معنى جديد، وقد تشترك آيات كثيرة في معنى واحد، لكنها بكل تأكيد ستفترق عن آيات أخرى في المعاني الإضافية للإضراب.
أما سبب قلَّة استعمال هذا الحرف في أشعار أصحاب المعلقات، وكثرة استعماله في القرآن الكريم حتى بلغت هذه الكثرة عشرين ضعفا لما كانت عليه عند شعراء المعلقات، فأقول فيه: إن القرآن أُنزل إلى قوم فيهم كثير من المعاندين والمتشككين والمرتابين والمنافقين وأصناف أخرى من الناس، وكان من الطبيعي أن تتنوع أساليب الجدال والنقاش والحجج لإقناع نفر كبير من هؤلاء الناس؛ إذ غاية القرآن هداية البشر، وإفراغ الجهد كاملا في سبيل استنقاذهم، وكان من طرق الجدل والحجاج والإقناع أن يَذكُرَ الخطابُ القرآني معنى ما ثم يضرب عنه لغايات متعدد بيّنا قسما منها في ما تقدم، ليقرر بعدها معنى آخر يكون أقوى في الإقناع وألزم بالحجة، لقد وُجِدَ في النصوص القرآنية من المعاني الفرعية المصاحبة للإضراب ما يدلُّ على إعجاز هذا النص السماوي. أمَّا في الشعر فلم يكن الحجاج والإقناع هدفا مقصودا، ولا غرضا مطلوبا لتتنوع أساليبه وتكثر موارده، لذا كان استعمال الإضرَاب استعمالا طبيعيا يسيرا تمثل في الانتقال من معنى إلى آخر، وخلى من كثير من المعاني التي يمكن أن يوظف لها الإضرَاب، وقد تبيَّنت تلك المعاني فيما بعد في الاستعمال القرآني.
(عن) ليست من الحروف القليلة الاستعمال في اللغة، إذ إنَّ مجموع استعمالاتها في دواوين أصحاب المعلقات (364) ثلاثمئة وأربع وستين مرَّة، فنسبة استعمالات الحرف إلى مجموع أبيات الدواوين (6.5%) أي خمسة وستين استعمالا في كل ألف بيت، وتنوَّعت صورُ استعمالها، فهي تدخل على الاسم الصريح فهي تدخل على الضمير بأنواعه المختلفة، ولبيان صور استعمالاتها عند الشعراء وأعدادها ونسبها، أضع هذا الجدول [1] :
اسم الشاعر ... عن ... عنه ... عنا ... عنكم ... عنكَ ... عنكِ ... عنها ... عنهم ... عني ... عنهن ... المجموع ... نسبته في الديوان
امرؤ القيس ... 26 ... 3 ... - ... -- ... 4 ... - ... .8 %
طرفة بن العبد ... 16 ... 3 ... - ... -- ... 4 ... - ... - ... .8 %
الحارث بن حلِّزة ... 7 ... 2 ... - ... - ... -- ... -- ... - ... - ... -- ... .7 %
عمرو بن كلثوم ... 8 ... 1 ... - ... - ... -- ... 1 ... - ... .5 %
عنترة بن شداد ... 58 ... 11 ... 2 ... 6 ... - ... %
زهير بن أبي سلمى ... 40 ... 7 ... - ... -- ... 14 ... - ... %
لبيد بن ربيعة ... 41 ... 10 ... - ... -- ... 4 ... - ... .1 %
(1) - يمكن الإطلاع على هذه الاستعمالات مفصلة بدقة بمراجعة برنامج: (الموسوعة الشعرية- الإصدار الثالث) .