فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 295

موردا [1] لتكون نسبته إلى المجموع العام (55%) ، وهي أكثر من نصف الاستعمالات، ومن أمثلته:

· قوله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون:71) ، في الوقت الذي يقرر فيه الحق تعالى أنْْ تدبير الأمر في هذا الوجود راجع إلى الخالق الحكيم العليم بمصالح الوجود، ولا يتبع أهواء قوم دون آخرين، يضرب عن هذا المعنى لا على نحو الإبطال له، لا بل على نحو الانتقال إلى معنى آخر مناسب له ومتفق معه، فيذكر تعالى أنه ذكَّر هؤلاء القوم من خلال رسولهم وبعث إليهم بذكرهم وأنذرهم يوم العقاب ليؤمن من آمن عن بينة، ويعذب من كفر عن بينة [2] .

· وقد يكون الإضرَاب للانتقال من معنى إلى آخر أعلى منه وأشد في تمكنه، كما في قوله تبارك: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف:179) ، بيَّنت الآية الكريمة أنَّ المعاندين للحق، والكافرين به لا يفقهون ما يَسَّرَهُ اللهُ تعالى للدلالة عليه، ولم يتبين هؤلاء آيات الله المنتشرة في الآفاق وفي أنفسهم، فهم لا يفقهون بقلوبهم ولا يبصرون بأعينهم، ولا يسمعون بآذانهم، وهذه النعم التي سخرها الله تعالى لهم لم يفيدوا منها فهم كالأنعام التي لا تعي ما تسمعه وتنظره، ولا تفقه بقلوبها ما حولها، إلاَّ بما توجبه عليها غرائزها، ولما كانت الأنعام مجبولة على ذلك، والإنسان قد كرَّمه الله تعالى على الخلائق، بما وهبه له من نعم السمع والنطق والبصر والتفكير، فإذا جمَّد الإنسان هذه النعم عنادا واستكبارا كان أضل من الأنعام؛ لأنه يمتلك مقومات الرقي في الوجود ولا يرضى لنفسه إلاَّ الدون، والانغماس في الرذيلة والكفر [3] . فهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية الكريمة بعد أن أضربت عن المعنى الأول، هو في الحقيقة أعلى من الأول، وأشد منه في وصف حال أولئك المعاندين الكافرين، لذا نرى البيان القرآني تدرج في وصفهم من درجة تشبيههم بالأنعام إلى درجة أعلى هي أنهم أضلُّ منها. ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (الفرقان:44) .

· وربما كان الإضرَاب للانتقال إلى معنى ثانٍ مؤكد لمعنى الجملة الأولى مثل قوله تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (آل عمران:180) فالمعنى الأول الذي كانت الآية قد قررته هو أن بخلهم بما رزقهم الله تعالى من فضله ليس خيرا لهم، وأضرب وانتقل الخطاب القرآني إلى معنى آخر، هو أن بخلهم بما آتاهم الله شرٌ لهم، وهذا المعنى هو عين الأول فالإضراب إليه جاء بفائدة التوكيد لهذا المعنى.

(1) - لقد حددت في المبحث الثاني موارد (بل) التي تفرد بها الاستعمال القرآني، فالمتبقي من غير تلك كان الإضراب بها للانتقال.

(2) - ظ: مفاتيح الغيب: 23\ 285.

(3) - ظ: الكشاف: 2\ 131، مفاتيح الغيب: 23\ 408 - 412، الجامع لأحكام القرآن: 4\ 324.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت