واحد من حروف العطفٍ التي تسمى أيضًا حروفَ النسقِ، وهي حروفٌ تَجْتَمِعُ كلها في إدخال الثاني في إعراب الأول، أي تُشرِكُ الثانيَ في حكمِ الأوَّلِ، لكنَّ معانيها مختلفة [1] ، فـ (ثُمَّ) يفيد مع الإشراك في الحكم الترتيب بمهلة، نحو قولهم: قام زيدٌ ثُمَّ عمرو، فهذا يعني قيام الثاني بعد قيام الأول بمهلة، وهذا مذهب الجمهور، وما أوهم خلاف هذا تأولوه [2] ، ومنه قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (البقرة:28) ، هنا استفهام على وجه التعجب والتوبيخ، أي: ويحكم كيف تكفرون بالله؟ وكنتم أمواتا - يعني نطفا - فأحياكم من النطف، ثُمَّ يميتكم بعد الحياة، ثُمَّ يحييكم للبعث، وكل واحد من هذه المراحل تأتي بعد الأخرى وبينهما مهلة ووقت [3] ، (( فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بـ(ثُمَّ) ؟ قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الأحياء، والأحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيًا ظاهرًا. )) [4] . إن دلالة (ثُمَّ) المركزية هي الترتيب المتراخي أي مع المهلة، وهذا المعنى هو أكثر المعاني شيوعا في استعمالاتها، وهو ملازم لها دوما. قال عنترة [5] :
(الكامل)
فيهِنَّ هَيفاءُ القَوامِ كَأَنَّها ... فُلكٌ مُشَرَّعَةٌ عَلى الأَمواجِ
خَطَفَ الظَلامُ كَسارِقٍ مِن شَعرِها ... فَكَأَنَّما قَرَنَ الدُجى بِدَياجي
أَبصَرتُ ثُمَّ هَوَيتُ ثُمَّ كَتَمتُ ما ... أَلقى وَلَم يَعلَم بِذاكَ مُناجي
فَوَصَلتُ ثُمَّ قَدَرتُ ثُمَّ عَفَفتُ مِن ... شَرَفٍ تَناهى بي إِلى الإِنضاج
هذه المراحل التي مرَّ بها الشاعر منذ أن أبصر هذه الفتاة الهيفاء إلى أن عفَّ عنها، مراحل مترتبةٌ، وكل مرحلةٍ جاءت بعدَ أختها، وكانت بينهنَّ مهلةٌ يبدو أن الشاعرَ كان فيها يصارعُ نفسه بين نزوته وشرفه الرفيع الذي لا يريد أن يخدشه، فاختار بعد برهة أن يعفَّ عنها، بعد أن تمكَّن وقَدرَ.
وقد يكون التراخي والمهلة مجازية، فتأتي (ثُمَّ) في جملة لاستبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها؛ وذلك لعدم مناسبته له، نحو قوله تعالى: {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} (الأنعام:1 - 2) ، فالإشراك بالله تعالى مستبعدٌ بعد أن قدمت الآية دليلا على قدرته على خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، فهذا غير مناسب مع ثبوت المعنى الأول، فهذا مَسوقٌ لإنكار ما عليه الكفرة، واستبعادِه من مخالفتهم لمضمونه، واجترائِهم على ما تقضي ببُطلانه بديهةُ العقول، فيكون معنى (ثُمَّ) استبعاد الشرك بعد وضوحِ ما ذُكر من الآيات
(1) - ظ: اللمع في العربية:174، شرح جمل الزجاجي: 1\ 223.
(2) - ظ: حروف المعاني:16، معاني الحروف:406، أسرار العربية:269، الصاحبي في فقه اللغة:148، شرح المفصل:8\ 94، شرح جمل الزجاجي:1\ 231، شرح الرضي على الكافية:4\ 389، شرح ألفية ابن مالك:306، رصف المباني: 173، مغني اللبيب: 158، جواهر الأدب: 216.
(3) - ظ: معاني القران (الفراء) : 1\ 23 - 25.
(4) - مفاتيح الغيب: 3\ 375، وينظر معه المثل السائر:2\ 236 - 239.
(5) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 68، أشعار عنترة العبسي: 140.