التكوينية القاضية ببطلان الشرك، وهذا المعنى: فرع التراخي ومجازه. ومثل هذا المعنى كثيرٌ في القرآن الكريم [1] .
ومثلما كان السياقُ يضيفُ إلى الحرفِ معنىً هامشيًا مضافًا إلى معناه المركزي، يبدو أنه هنا قد يُجبَرُ الحرفُ على التخلي عن بعض معناه المركزي، فقد يتخلَّى (ثُمَّ) عن دلالته على الترتيب قال الإربليُّ: (( وقد تأتي معرَّاة عن [2] إفادة التراخي بل لمجرد الترتيب في الذكر والتدرج في درجات الارتقاء. ) ) [3] ، كما في قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} (الزمر من الآية:6) ، ومعلوم أن هذا الجعل كان قبل خلقنا [4] ، ومنه قوله - عز وجل: {وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ* ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} (السجدة من الآية:7 - 9) ، وجعل منه أيضا قول أبي نواس (ت 198 هـ) [5] :
(الخفيف)
قُل لِمَن سادَ ثُمَّ سادَ أَبوهُ ... قَبلَهُ ثُمَّ قَبلَ ذَلِكَ جَدُّه
فتدرج الشاعر في ترتيب درجات معالي الممدوح، فابتدأ بسيادته، وانتهى بسيادة جدِّه، وحقيقة الأمر أن سيادة جدَّه متقدمة على سيادة أبيه وسيادته وإنما فعل هذا؛ لأن سيادة نفسه أخص ثُمَّ سيادة الأب ثُمَّ سيادة الجدِّ [6] .
وقد أجيب عن الآية الأولى بخمسة أجوبة ذكرها ابن هشام منها: أن العطف على محذوف تقديره (أنشأها ثُمَّ جعل منها زوجها) ، ومنها أن (ثُمَّ) لترتيب الإخبار لا لترتيب الحكم، كما يقال: (بلغني ما صنعتَ اليومَ ثُمَّ إن ما صنعتَ أمسِ أعجبُ) ، وربما كان الفراء يميل إلى هذا القول [7] ، وكان الزمخشريُّ يقول: (( فإن قلت: ما وجه قوله: {ثُمَّ جعل منها زوجها} وما يعطيه من معنى التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عدَّدها دالًا على وحدانيته وقدرته: تشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، وخلق حواء من قصيراه؛ إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرّة، والأخرى لم تجريها العادة، ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل، فكانت أدخل في كونها آية، وأجلب لعجب السامع، فعطفها بـ(ثُمَّ) على الآية الأولى، للدلالة على مباينتها لها فضلًا ومزية، وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية، فهو من التراخي في الحال والمنزلة، لا من التراخي في الوجود. )) [8] ، وذكر أيضًا أوجه الرد الأخرى على من يقول بأن التراخي هنا غير موجود. وأُجيب عن الآية الثانية أنَّ (سوَّاه) عطف على الجملة الأولى لا الثانية، أي بدأ خلق الإنسان من طين ثُمَّ سوَّاه ونفخ فيه من روحه، ففيها تقديم وتأخير وبهذا تكون المهلة محفوظة [9] .
الردود التي ذكرها بعض المتمسكين بأن (ثُمَّ) تفيد (الترتيب بمهلة) لا تمنع من أن يعتقد بعض النحويين والمفسرين بتخلي هذا الحرف عن بعض معناه، فلو أردنا أن نحمل النصوص
(1) - ظ: التبيان: 4\ 76 - 77، الكشاف: 2\ 3، مفاتيح الغيب: 12\ 478، الجامع لأحكام القرآن: 6\ 384 - 390، شرح الرضي على الكافية: 4\ 389، تفسير أبي السعود: 3\ 104.
(2) - هكذا وردت، والصحيح (معراة من) ، ظ: لسان العرب مادة (عرا) : 15\ 46.
(3) - جواهر الأدب: 216.
(4) - ظ: معاني القران (الفراء) : 2\ 415.
(5) - ديوان أبي نواس:493، وينظر معه: شرح الرضي على الكافية: 4\ 390، الجنى الداني: 407، جواهر الأدب: 216، مغني اللبيب:159، خُزَانَةُ الأَدَبِ: 11\ 37، ولفظه عند البغدادي: إنَّ من ساد ثمَّ ساد أبوه .... .
(6) - ظ: شرح الرضي على الكافية:4\ 390، الجنى الداني:407، جواهر الأدب:216، مغني اللبيب:159، خُزَانَةُ الأَدَبِ:11\ 37.
(7) - ظ: معاني القرآن (الفراء) : 2\ 415،الجنى الداني:407 - 408، البحر المحيط:9\ 178 - 182، مغني اللبيب:159 - 160.
(8) - الكشاف:3\ 388.
(9) - ظ: مفاتيح الغيب: 25\ 141، مغني اللبيب: 160.