فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 295

تأكيده، لكن هذا المعنى المضاف لم يكن ينبع من داخل الحرف، بل جاء من خارجه، فـ (لن) وحدها لها معنى عام له قابلية التحديد إذا ما جاء معه محددٌ في النص، كما في كلمة (اليوم) التي وردت معه في الآية المتقدمة، أو تقيده بـ (حتى) في قوله تعالى: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} (يوسف: من الآية 80) ، ولا يشترط أن يكون المحددُ مذكورا معه في النصِّ مباشرةً، بل قد يُفهَمُ من المعنى العام للنص أن الوقت المراد النفي فيه يشمل وقتًا آتيًا لكنه محددٌ، كما في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} (سبأ:31) أفادت (لن) هنا وقتا محددا، هو الحياة الدنيا، وهذا مفهوم من الآية الشريفة، بدليل أنهم حينما أوقفوا عند ربهم آمنوا بما كانوا كفروا به في الحياة الدنيا، وتلاوموا فيما بينهم أنهم كفروا بما أنزل الله إليهم من قبل.

وإن لم يأت مع (لن) مُحددٌ فهي عامةٌ تشملُ المستقبلَ الآتي كلَّه، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْأِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران:177) ، فالمعنى (لن) هنا يشمل نفي الضرر في الوقت الآتي كله، وهذا الوقت غير محددٍ بشيء. هذا هو معنى (لن) كما أفهمه معنى عام قابل للتحديد، وقابل لحمل معنى أو معانٍ إضافية إذا ما أثَّر السياق فيه. وفيه أيضا تأكيدٌ لفرضية هذا الفصل من إن السياق القرآني ذو أثر كبير في تطوير معاني الحروف.

أُدخلت (لن) مع الاستفهام الإنكاري مرَّة واحدة في الاستعمال القرآني، وذلك في قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ} (آل عمران:124) ، قال الزمخشري فيها: (( ومعنى {ألن يكفيكم} إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة. وإنما جيء بـ(لن) الذي هو لتأكيد النفي، للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوّهم وشوكته كالآيسين من النصر. )) [1] ، قد يكون الزمخشري يعتقد بأن (لن) في كل استعمالاتها تفيد معنى نفي المستقبل المؤكَّد، وليس نفي المستقبل البسيط الخالي من التأكيد، ونقل أبو حيان عن بعض العلماء أنها هنا للتقرير، لا للإنكار [2] ، وليس سوق هذا الرأي غريبا، فكل عالم يفهم من النص معنى بحسب ما تتوافر أمامه من القرائن المساعدة له على فهم الكلام، لكني رأيت كثيرا من المفسرين يميلون إلى أنها هنا للإنكار [3] .

ولم يُستعملْ مثلُ هذا الكلام في دواوين أصحاب المعلقات السبع، لكن من خلال بحثي في أشعار الجاهليين استطعت أن أرصد مثلا واحدا له عند حبيب الأعلم الهذلي، إذ يقول [4] :

(مجزوء الكامل)

وَبِجانِبَي نَعمانَ قُلـ ... ـتُ أَلَنْ يُبَلِّغَني مَآرِب

(1) - الكشاف:1\ 461، وينظر معه: البحر المحيط: 3\ 335 - 337.

(2) - ظ: البحر المحيط: 3\ 335 - 337، وينظر معه التبيان في إعراب القرآن: 1\ 148.

(3) - ينظر مع المصادر المتقدمة: جوامع الجامع: 1\ 325، تفسير أبي السعود: 2\ 77 - 80، فتح القدير: 1\ 377.

(4) - شرح أشعار الهذليين: 1\ 316.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت