فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 295

مفتوحٌ، وغيرُ محدد بحدٍّ، من هنا جاء معنى التأبيد في النفي بـ (لن) ؛ لأنها نفي لـ (( سوف يفعل، وسوف نصٌّ على المستقبل. ) ) [1] ، وهذا المستقبل عام وغير محدد، لكنه يفهم ضمن إطار القرائن المصاحبة للنص الخارجية أو الداخلية، وهكذا يفهم هذا المفسر أو اللغوي المعنى في الآية في ضوء ما يتوافر عنده من القرائن المساعدة لفهم الآية، ففهم بعضهم المستقبل على أنه يشمل الحياة الدنيا فقط، ولا يشمل الحياة الآخرة، ولستُ هنا في مجال إبطال قول مفسر وإثبات آخر، بل أُحاول أن أفهم من أين جاءت نسبة تأبيد النفي إلى (لن) . أعتقد أنَّ السياق بقرائنه المتعددة قاد بعض العلماء إلى تصور معنى التأبيد، لأن المستقبل غير محدد فهو يشمل كل الأوقات الآتية وليس لانتهائها أمد، وهذا هو معنى التأبيد، وهذا صريح كلام الثعالبي.

يبدو أن أهل اللغة لم يرضهم مثل هذا الفهم، وإن كان ابن يعيش وربما آخرون يرون صحة الرأي المنسوب للزمخشريِّ ومن وافقه في هذا الفهم [2] ، إلاَّ أن أكثر النحاة لا يرون ذلك ووصفوا كلا القولين [القول بأنها للتأبيد، والقول بأنها لتأكيد النفي] بأنهما دعوى بلا دليل [3] ، بل ذهب بعضهم إلى أن النفي بـ (لا) أوكد من النفي بـ (لن) ؛ لأن المنفي بـ (لا) قد يكون جوابا للقسم، والمنفي بـ (لن) لا يكون جوابا له، ونفي الفعل إذا أُقسم عليه أوكد. لكن المراديّ ردَّ على هذا الرأي بأن (لن) قد وقعت في جواب القسم أيضًا [4] ، وذلك في مثل قول أبي طالب [5] :

(الكامل)

وَاللَهِ لَن يَصِلوا إِلَيكَ بِجَمعِهِم ... حَتّى أُوَسَّدَ في التُرابِ دَفينا

أشار ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ: إلى أن (لَنْ) كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعًا عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وهو ممن نقل عن الزمخشريِّ في (أُنْمُوذجِهِ) : أَنَّ (لَنْ) لتأبيدِ النفْي [6] ، وحاول تسويغ رأي الزمخشري بأن الذي حمله على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ - كما يرى ابن مالك -؛ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رَسُولِ اللَّه (، واستدلَّ عَلى عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبالِ المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: {قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} (طه:91) .

لقد تنبه ابن مالك أن الذي حمل بعض المفسرين على ذلك الفهم القرائنُ الخارجيةُ للنص؛ إذ أثرت في معنى الحرف، ونحو هذا الرد لابْنِ هشامٍ أيضًا، ولفظه: (( ولا تفيدُ(لَنْ) توكيدَ المنفيِّ، خلافًا للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ، خلافًا له في «أنموذجه» ، وكلاهما دَعْوَى بلا دليلٍ، قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها بـ (اليوْم) في: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} (مريم: من الآية 26) ، و لكان ذكْرُهُ (الأَبَدَ) في {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} (البقرة: من الآية 95) تَكْرارًا، والأصل ... عدمه. )) [7] . من كلام هؤلاء العلماء نتيقن أن الحرف (لن) حُمِّلَ معنىً هامشيا مضافا إلى معناه الأصلي [النفي المستقبلي للمضارع] وأريد منه أن يدلّ على تأبيد النفي أو

(1) - في النحو العربي نقد وتوجيه: 256.

(2) - ظ: شرح المفصل: 8\ 111.

(3) - ظ: الجنى الداني:284، مغني اللبيب: 374، جواهر الأدب:151، الأشباه والنظائر: 3\ 79، أثر القرآن والقراءات في النحو العربي: 232.

(4) - الجنى الداني: 284.

(5) - ديوان أبي طالب: 89.

(6) - ظ: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: 229.

(7) - ظ: مغني اللبيب:374.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت