فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 295

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} (الأعراف: من الآية 143) ، بيًّن الزمخشريُّ في تفسير هذه الآية أن طلب الرؤية كان تبكيتا للذين طلبوا أن يريهم الله جهرة من قبل، وقال عن (لن) : (( فإن قلت: ما معنى {لَن} ؟ قلت: تأكيدًا للنفي الذي تعطيه(لا) ، وذلك أن (لا) تنفي المستقبل. تقول: (لا أفعل غدًا) ، فإذا أكدت نفيها قلت: (لن أفعل غدًا) ، والمعنى: أنّ فعله ينافي حالي، كقوله: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} (الحج: من الآية 73) ، فقوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (الأنعام: من الآية 103) ، نفي للرؤية فيما يُستَقبل. و {لن تراني} تأكيدٌ وبيانٌ، لأنّ المنفي مناف لصفاته. )) [1] ، (لن) عند الزمخشريّ في هذه الآية فيها تأكيدٌ للنفي، لكن الرازي لا يرى هذا فقد قال: (( والجواب: أن {لن} لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه. والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال، فكان قوله: {لن تراني} نفيًا لذلك المطلوب، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا. ) ) [2] ، ونقل الرازي أيضًا أن بعضا من المفسرين ينقلون عن أهل اللغة أن (لن) تفيد التأبيد، وقال في تفنيد ذلك: (( ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة «لن» للتأبيد. قال الواحديُّ(: هذه دعوى باطلة على أهل اللغة، وليس يشهد بصحته كتابٌ معتبرٌ، ولا نقلٌ صحيحٌ. ) ) [3] .

أهل اللغة الذي يعنيهم الرازي بقوله هو الزمخشريَّ إذ شاع في كتب النحاة واللغويين ما نقل عن الزمخشري من أنَّه يقول إن (لن) تفيد تأبيد النفي، ونقل أنه قال هذا في كتابه (الأنموذج) ، (( ولكثرة دوران هذا القول في كتب المتأخرين من النحاة أصبح يجري على ألسنة المتحدثين بـ(لن) عند النفي المؤكَّد قولهم: (لن الزمخشريَّة) يقصدون بذلك أن النفي بها إنما هو على سبيل التأبيد. )) [4] ، ويبدو أن ما أشيع من نقل عن الزمخشري لم يكن دقيقا، ففي الوقت الذي يصرح به أنَّ (لن) تفيد توكيد النفي إنه لم يصرح بأنها تفيد التأبيد، وقد تتبع باحث معاصر رأيه في الأنموذج والمفصل والكشاف فلم يجده يصرح بالتأبيد [5] ، ولقد تتبعت كثيرا من مواضع الكشاف التي وردت فيها (لن) فلم أعثر له على قول صريح بإفادة (لن) التأبيد، ولكنه قد يفهم من بعض المواضع ليس صريحا.

وبعيدا عن نسبة القول للزمخشريِّ أو نفيه عنه، أقول: إن المسألة فيها جانبٌ عقائديٌّ، والمفسر الذي فهم معنى التأبيد كان يصدر عن فهم وفلسفة إسلامية خاصة في فهم الصفات الإلهية، وهذا الفهم قرائنٌ خارجيةٌ للنص، لا يمكن عزله عنها. فالزمخشريُّ يصدر في فهمه عن مدرسته الفلسفية، وغيرهم يصدرون عن فهم مدارس فلسفية أخرى، وقد لا تتفق الرؤى، فيحمل كل مفسر المعنى على ما يعتقده، وحملت (لن) ظلالا لمعناها العام الذي هو نفي المستقبل، ويبدو أن بعض المفسرين كان يصرح بأن (لن) لنفي المستقبل فقط، فيقول الثعالبيُّ: (( «لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفْي بمجرَّده، لقضينا أنه لا يَرَاهُ موسَى أبدًا، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرَى بالحديثِ المتواتر، أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى - عليه السلام - أحرَى برؤيته. ) ) [6] المستقبل الذي تنفيه (لن) عند الثعالبي

(1) - الكشاف: 2\ 111، وينظر معه: الأشباه والنظائر: 3\ 78 - 79.

(2) - مفاتيح الغيب: 14\ 357 - 358.

(3) - المصدر نفسه.

(4) - مسائل النحو الخلافية بين الزمخشري وابن مالك:153.

(5) - المصدر نفسه: 153 - 162.

(6) - تفسير الثعالبي: 1\ 573.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت