أصلا، وخلافهم ذلك راجع إلى تعدد في فهمهم لسياق النص القرآني، وما يحتويه من قرائن داخلية وخارجية تُؤَثِّر في توجيه المعنى إلى حدٍّ بعيد.
· رابعا: تصريح بعض العلماء بأن بعض الحروف موضوعٌ لقدر مشترك من المعنى الجامع بين تلك المعاني المتعددة التي ذكرت لها، ولا أقصد هنا الأسماء المختلفة للمعنى الواحد، وإنما العناوين الرئيسة للمعاني التي ذكرت، وهذا التصريح جاء بعد ذكرهم لتلك المعاني والخلاف فيها، فما كان منهم إلاَّ أن رَجَعُوها إلى أن الغرض الرئيس لهذا الحرف هو المعنى المشترك بينها، وهو أصل المعنى الذي وضع له هذا الحرف، وربما أشار بعضهم أيضًا إلى أن للسياق أثرا في زيادة المعاني الثانوية على الحرف. ووجدت في إشارات هؤلاء العلماء دليلا كبيرا وصريحا يمكنني من طرح هذه الفرضية والسعي في البحث عن الأدلة التفصيلية المثبتة لها.
إن طرح هذه الفرضية قد يكون فيه بديلٌ مقنعٌ لما يظهر لنا من اختلاف العلماء وتباينهم في تعداد معاني كل حرف أو اقتصارهم على معنى واحد، وفيها بديلٌ مُرضٍِ أيضًا لنظريتين سبق أن قال بهما علماء العربية، وهما نظرية تناوب حروف الجر فيما بينها، ونظرية التضمين تضمين الأفعال معاني أفعال أخرى تتعدى بحرف معين، وأعتقد أنَّ فرضية المعنى الحرفي المتحرك، القابل للتلون تبعا لضرورات السياق أكثر ملاءمة للنص القرآني من نظرية التضمين أو نظرية التناوب اللتان تقودان إلى تجميد النص، في حين تضمن لنا نظرية المعنى العام - التي أعتقد بها - حركية دائمة ومستمرة للنص، فكل مفسر تتوافر أمامه قرائن معينة يستطيع أن يُحَمِّلَ الحرف معاني هامشية يتمكن من تأديتها داخل السياق.
وإني في مجال التطبيق سوف أعمل على اختبار هذه الفرضية لأرى مدى ثبوتها أمام البحث العلمي، وسيكون ذلك من خلال البحث عمَّا يدعمها من خلال تتبع معاني الحروف والتقاط الشذرات من أقوال العلماء، التي تُعينُ على تثبيتها في نهاية البحث بوصفها نظرية مطردة في اللغة العربية الفصحى، وستبتعد الدراسة في هذا الفصل عن تتبع نقاط الاشتراك والمتفق عليه من الاستعمالات، وستستبعد أيضًا بعض الحروف التي لها معنى واحد فقط مثل (لم) و (لن) و (أنَّ) و (إنَّ) وغيرها، فليس هدفها استقصاء الحروف كلها، بل تتبع أغلب ما يخدم تثبيت فرضية الفصل الرئيسة.
أولا: (أم)