المتحركة أو ظلال المعنى العام، قد ترافق هذا المعنى أو تحلُّ مكانه، والسياق هو القوة المحركة للمعنى الحرفي.
لقد كانت تراودني فكرة هذه الفرضية قبل الشروع بالبحث، إذ أنِّي أعتقد أنَّ لبعض الحروف معنىً مركزيا عاما، هذا المعنى يسمح لها بأن تستعمل في سياقات متعددة ومتنوعة في الكلام، ومن خلال اختلاف السياقات التي يرد فيها الحرف تتلون معاني الحرف الخاصَّة، فيتحدد للحرف معنىً خاص داخل كل سياق، ولا يعني هذا أن كل حرف سيكون له عدد غيرَ منتهٍ من المعاني، تبعا لإمكانية تنوع السياقات غير المنتهية للغة، لا بل يكون له مدى معين لا يخرج عنه؛ إذ يمنعه معناه العام من هذا التوسع المفتوح، فهو تلوُّنُ محددٌ داخل السياقات المختلفة، والسياق هو الأساس في عملية تحريك المعنى وتلوينه بظلال خاصة من المعاني، فهو القوَّة الفاعلة في حركية المعنى الحرفي. ولقد كانت قناعتي بهذه الفكرة تقوى تارة، وتضعف أخرى حتى تلمَّستُ بعض النقاط التي زادت من قناعتي بهذه الفرضية ودعتني أقدم على تسجيلها موضوعا لأطروحة الدكتوراه بعد أن شدَّ الأستاذ المشرف على يديَّ وقوىَّ عزيمتي في طرحها على ساحة البحث العلمي. وسأذكر بعض الأمور التي ساعدتني ابتداء على تبنِّي هذه الفكرة، والبدء في البحث عن الأدلة التفصيلية لإثباتها:
· أولا: من خلال تتبعي للمعاني التي ذكرها العلماء لبعض الحروف وجدتهم مختلفين في تقرير عدد المعاني التي يؤديها هذا الحرف أو ذاك، فمنهم من ذكر للحرف الواحد معنى واحدا فقط، ومنهم من يذكر له عشرة معانٍ، ومنهم من يذكر لحرف آخر أربعة معان، ومنهم من يوصلها إلى اثني عشر معنى [1] . هذا الاختلاف في العدد لابد أن يخفي وراءه سببا مباشرا ومسوغا لما وقع فيه هؤلاء العلماء.
· ثانيا: لم يكن الاختلاف مقتصرا على عدد المعاني فقط، بل وصل إلى تحديد أسماء تلك المعاني، فقد نجد لبعض الحروف نوعا من المعنى الذي يؤديه لم يُتَّفق على تسميته [2] ، وعدم استقرار العلماء على مصطلح معين لمثل ذلك المعنى يدلّ على اختلاف واضح في فهم السياق الذي ورد فيه الحرف، وعندها سماه كل منهم بما فَهِمَهُ من سياق النص الذي استدل به، ولما كان الفهم مختلفا من عالم إلى آخر باختلاف قراءاتهم للنصوص اختلفت التسمية تبعا لذلك، فهؤلاء العلماء كان يدور في خَلَدِهِم قَدَرٌ مشتركُ من المعنى يجمع بين تلك التسميات التي أطلقت عليه، ولم ير العلماء من حرج في تعدد الأسماء، مادامت تعبر عن ذلك القدر المشترك.
· ثالثا: اختلف علماء اللغة والتفسير أيضًا في تسمية المعنى الذي أداه بعض الحروف في بعض الآيات التي وردَ فيها، أي اختلفوا في تسمية المعنى في النص الواحد، فقد يذكرون أن الحرف يجوز أن يكون المعنى فيه كذا أو كذا أو كذا فيذكر ثلاثة أوجه أو أربعة أو أكثر للحرف الواحد في الآية الواحدة ولا يجزم بواحد منها، ولما تكررت هذه الحالة كثيرا، وعند كثير من المفسرين، تَيَقنْتُ من أن المعنى العام هو الحاضر في أذهانهم، وهو القَدَرُ المشتركُ من المعنى الموضوع له الحرف
(1) - ذكر البصريون لـ (عن) معنى واحد هو المجاوزة ولم يثبتوا لها غيره في حين ذكر الكوفيون لها عشرة معاني، وفي (أو) ذكر بعضهم لها أربعة معاني وأوصلها آخرون إلى اثني عشر معنى، ينظر المبحث الخاص بكل حرف من هذا الفصل.
(2) - من أمثله (التقسيم، والتفريق، والتفصيل) كلها تدلّ على نوع خاص من المعنى يؤديه الحرف الثنائي (أو) .