فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 295

السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (الفتح:12) ، ومُصرِّحَةً بأنهم ظنوا، وظنهم هنا يدلّ على اليقين - كما بيننا من قبل - أنَّ الرسول (والمؤمنين لن يرجعوا من حربهم هذه، وهذا الإضرَاب يدللُّ على كذبهم في ادعائهم في الآية المتقدمة أنَّهم إنما قعدوا عن اللحاق بالجيش بسبب بيوتهم وأهليهم(( يعني لم يكن تخلفكم لما ذكرتم {بل ظننتم أن لن ينقلب} و(أنْ) مخففة من الثقيلة، أي ظننتم أولًا، فزين الشيطان ظنكم عندكم حتى قطعتم به. )) [1] ، وقد ختم الله تعالى الآية بذمهم وتوبيخهم؛ إذ وصفهم بأنهم قومٌ بورٌ، ولم يذمهم إلاَّ لكذبهم.

ويستمر تقريع المكذبين المنافقين وتأنيبهم حتى تكتمل الصورة في بيان موقفهم هذا بعد آيتين فيقول الحق تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (الفتح:15) ، وفي هذه الآية أراد هؤلاء الدفاع عن أنفسهم بأن ادعوا أن المؤمنين يحسدونهم، وادعاؤهم هذا لاعتقادهم أنهم يبطلون ما قاله لهم الرسول (بأمر الله تعالى:(لن تتبعونا كذلك قال الله من قبل) ، فجاءت خاتمة الآية الكريمة بإضراب للإبطال قولهم ودعواهم أن المؤمنين يحسدونهم. وجاء في الآية إضراب لإبطال قول النبي بحد زعمهم وبعده إضراب لأبطال زعمهم هذا، قد لا يصرح المفسرون دائما بأن الإضرَاب في هذا الموضع لسبب الانتقال أو للإبطال، بل كان هذا المعنى أو ذاك يفهم من كلامهم بوضوح ففي هذه الآية الكريمة مثلا يقول الزمخشري: (( فإن قلت: ما الفرق بين حرفي الإضراب؟ قلت: الأوّل إضراب معناه: ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد. والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم بما هو أطمُّ منه، وهو الجهل وقلة الفقه. ) ) [2] ، ولعل عبارة الرازي أكثر وضوحا إذ يقول: (( ثم قال تعالى: {فسيقولون بل تحسدوننا} ردًا على قوله تعالى: {كذلكم قال الله من قبل} كأنهم قالوا: ما قال الله كذلك من قبل، بل تحسدوننا، وبل للإضراب والمضروب عنه محذوف في الموضعين، ... ، ثم قال تعالى ردًا عليهم كما ردوا {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلًا} أي لم يفقهوا من قولك لا تخرجوا إلا ظاهر النهي، ولم يفهموا من حكمه إلا قليلًا فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد. ) ) [3] .

إن هذا المعنى المضاف إلى المعنى العام معنى لم يستعمله الشعراء، وقد تفرد القرآن الكريم باستعماله، وهو تطور يسجل للغة الذكر الحكيم.

استطعت - بحمد الله - أن أرصد نوعا ثالثا، لم أرَ من أشار إليه من قبل، ذلك أنِّي وجدت الاستعمال القرآني قد يُضرِب عن معنى الجملة المتقدمة إلى جملة جديدة ليُنكِرَ معنى الجملة المتقدمة، ويردع القائلين بها، ومن ثم يكون إلزام لهم بالمعنى الجديد الذي قررته الجملة التالية لـ (بل) ، وهذا النوع الذي أطلقت عليه الإضرَاب للإنكار منتشرٌ وشائعٌ في الاستعمال القرآني، ومع هذا لم أجد مشيرا إليه، وقد رصدت من الموارد لهذا الاستعمال

(1) - مفاتيح الغيب: 28\ 75 - 80.

(2) - الكشاف: 3\ 545.

(3) - مفاتيح الغيب: 28\ 85 - 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت