الحكاية عن قوم. )) [1] ، أي إن الإبطال كان لكلام البشر أو مزاعمهم التي يزعمون، فكان الخطاب القرآني يبطل تلك المزاعم، ويثبتُ الحقَ بكلماته تعالى شأنه، ومن أمثلته:
-قال تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} (البقرة:88) ، ومثلها أيضًا: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء:155) ، بيَّن المفسرون في الآيتين أنَّ ما بعد (بل) هو تكذيب لقولهم المتقدم (قلوبنا غلف) ، وبيّن أنه تعالى طبع عليها، وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إلى قلوبهم، وفيه أيضا تكذيب لما ادعوه من أن قلوبهم في أكنَّة، وعليها أغطية، ولو كانوا صادقين لما لعنهم الله، ولما استوجبوا منه الذمَّ، فالإضراب جاء هنا لإبطال قول الكافرين [2] .
-قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (المؤمنون:70) ، قال الطبري في تفسير هذه الآية: (( أيقولون بمحمد جنون، فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم ولا يدري ما يقول: بل جاءهم بالحق، يقول تعالى ذكره: فإن يقولوا ذلك فكذبهم في قِيلِهِم ذلك واضح بين، وذلك أن المجنون يهذي فيأتي من الكلام بما لا معنى له، ولا يعقل ولا يفهم، والذي جاءهم به محمد هو الحكمة التي لا أحكم منها والحق الذي لا تخفى صحته على ذي فطرة صحيحة، فكيف يجوز أن يقال: هو كلام مجنون؟ ) ) [3] فما بعد (بل) جاء لبيان فساد قول المعاندين للحق لمَّا جاءهم، هذا ما يسميه العلماء الإضرَاب للإبطال. ومثاله: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} (سبأ:8) .
-ومن بديع استعمال القرآن الإضرَابَ للإبطال قوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (الفتح:11) ، إذ ذكرت الآية الكريمة قول المخلفين من الأعراب إنهم تخلفوا عن النبي (لشغلهم بأموالهم وأهليهم، فردَّ عليهم الله تعالى بما يبطل دعواهم تلك:(( فكذبهم الله تعالى فقال: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} وهذا يحتمل أمرين أحدهما [4] : أن يكون التكذيب راجعًا إلى قولهم {فاستغفر لنا} ، ... ، ثانيهما: قالوا {شغلتنا} إشارة إلى أن امتناعنا لهذا لا غير، ... ، كما قال بعده {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا} (الفتح: 12) وقوله {قل فمن يملك لكم من الله شيئًا إن أراد بكم ضرًا أو أراد بكم نفعًا} معناه أنكم تحترزون عن الضر. وتتركون أمر الله ورسوله، ... )) [5] ، ثم أضرب في نهاية الآية لتأكيد إبطال قولهم المزعوم مقررا أنَّ علاَّم الغيوب عالم بحقيقة السبب الذي دعاكم للتأخر عن القيام مع النبي (، وجاءت الآية التالية ناطقة بالحق: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ
(1) - البحر المحيط: 4\ 103 أو 4\ 470 - 482، وينظر معه: أساليب النفي في العربية: 170 - 171.
(2) - ظ: معاني القرآن (الفراء) : 1\ 294، جامع البيان: 1\ 574، معاني القرآن وإعرابه: 1\ 169، التبيان: 1\ 342، مفاتيح الغيب:3\ 597، 11\ 258، التبيان في إعراب القرآن: 1\ 50، أساليب النفي في العربية: 169 - 171.
(3) - جامع البيان: 18\ 55، وينظر معه: التبيان: 7\ 382، جوامع الجامع 2\ 591، مفاتيح الغيب:23\ 285.
(4) - هكذا وردت العبارة والأصح أن يقال: أولهما.
(5) - ... مفاتيح الغيب: 28\ 70 - 75.