التي استشهدوا بها على المعنى المتبادر، ولا نسعى إلى تأويلها فسنجد، أن الترتيب قد لا يكون مقصودا؛ لأنه ليس من أهمية فيه للنص، فذكرُ آيات الله وتَعجِيزُ القوم بها هو المهمُّ ولا يؤثِّر في مقدار أهميته وإعجازه مراعاة ترتيبه، فالمهم هو بيان قدرة الله تعالى على بدء خلق الإنسان من طين وجعل استمرار نسل الإنسان وعَمَار الأرض وخلافة الله مرتبطا بماء مهين، فكل هذه الحضارة والعلم منوط بهذا الماء المهين، وهذا من معاجز الرحمن، وعظمة هذه الآية تدلُّ على عظمة الخالق، وبعد هذا فمن آيات الله تعالى ومعاجزه أن جعل في هذا الإنسان روحا ونسبها إلى ذاته المقدَّسة قائلا: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} (السجدة من الآية:9) ، وهذه الروح سرٌّ إلهيٌّ يجسِّد عظمة الخالق عجز العلم عن إدراك كنهها، فالنص في مقام ذكر بعض آيات الخلاَّق العليم مما يعجز البشر عن استيعابها والتصدي لها، وكون بعض هذه الآيات مترتبا زمانيا بعد بعضها الآخر لا يمنع من عظم الآية، ولا يقدح في إعجازها. وكذا في البيت الشعري، لم يكن في ذهن الشاعر أن يُرَتِّبَ الفضلَ والسيادة كما يقتضيه المنطق العقلي، فقد كان مشغولا في إثبات الفضل لممدوحه ولأجداده أكثر من عنايته بترتيب التسلسل الزمني لمجد أسرة الممدوح، ولا نغفل عن خواص قوانين الصنعة الشعرية التي قد يكون الشاعر اعتمد عليها للوصول إلى هذه الصياغة الفنية المقصودة، وقد يكون لها بعض الأثر في هذا الترتيب.
خلاصته أن النص قد لا يكون ملحوظا فيه الترتيب، أو لحظ الترتيب في مرتبة ثانية في الدلالة، فيستغنى عن جزء من دلالة الحرف، وهذا ما حصل في الأمثلة التي ذكروها، وتَأوِّلُ بعض العلماء أوجها لقسر النص على العودة إلى الدلالة بكامل معناها قد يكون فيه تَعَسُّفٌ، فمثلما تكون إضافة بعض المعاني الهامشية للمفردات مزيَّة فنَّيَّةً في الكلام. إن اجتزاء بعض المعنى من مفردة ما مزيَّة أخرى من مزايا الكلام البليغ.
وكذالك قد يتخلى (ثُمَّ) عن دلالته على المُهلة يفهم هذا من ادعاء الفراء أن (ثُمَّ) قد تكون لترتيب الأخبار لا لترتيب الأحداث (( من ذلك أن تقول: قد بلغني ما صنعت يومك هذا، ثُمَّ ما صنعت أمسِ أعجب، فهذا نسق من خبر المتكلم. ) ) [1] ، فـ (ثُمَّ) هنا تفيد ترتيب الأخبار ولا تراخي بين الإخبارين. وحمل ابن مالك على هذا المعنى قوله تعالى [2] : {ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} (الأنعام من الآيتين:153 - 154) ، ونُقِلَ في تخريجها على معناها الأصلي بشقَّيه أوجها: (( الأول: التقدير: ثُمَّ إني أخبركم بعد تعديد المحرمات وغيرها من الأحكام، إنا آتينا موسى الكتاب، فذكرت كلمة «ثُمَّ» لتأخير الخبر عن الخبر، لا لتأخير الواقعة، ... ، والثاني: أن التكاليف التسعة المذكورة في الآية المتقدمة لا يجوز اختلافها بحسب اختلاف الشرائع، بل هي أحكام واجبة الثبوت من أول زمان التكليف إلى قيام القيامة. وأما الشرائع التي كانت التوبة مختصة بها، فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة، فتقدير الآية أنه تعالى لما ذكرها قال: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديمًا وحديثا، ثُمَّ بعد ذلك آتينا موسى الكتاب. الثالث: أن فيه حذفًا تقديره: ثُمَّ قل يا محمد إنا آتينا موسى، فتقديره: اتل ما أوحى إليك ثُمَّ اتل عليهم خبر ما آتينا موسى. ) ) [3] ، هذه الوجوه التي ذكرت للتأويل ممكنة ويستطيع بعض النحاة تخريج الكلام عليها، لكن بعض النحاة لا يرى ذلك بل يفهم من السياق أن المعنى هنا أهمل فيه جانب الدلالة على المهلة في ترتيب الأخبار، وعندها أفترض أن النص كان يريد تقرير الخبر وإثباته وذكر ترتيبه أكثر من أرادته ذكر المهلة وجودها أو عدم الوجود، فالمهلة
(1) - معاني القرآن: 2\ 415.
(2) - ظ: مغني اللبيب: 160، تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: 175، الجنى الداني: 406.
(3) - مفاتيح الغيب: 14\ 186.