فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 295

والسؤال المعروض الآن: هل كلُّ هذه المعاني مُسلَّمٌ بها؟ وهل كلها معانٍ أصيلة للحرف؟ لاشكَّ في إن اختلاف العلماء في مقدار معين من هذه المعاني المنسوبة لـ (من) ، وإهمال عدد آخر يدلُّ بوضوح على أنْ ليس كل تلك المعاني مسلما بها عند العلماء جميعهم، أما ما يتعلق بالمعنى الأصيل أو المركزي فقد قال المراديُّ: (( ولم يثبت أكثر النحويين لـ(من) جميع هذه المعاني، بل تأولوا كثيرا من ذلك على التضمين أو غيره، وقد ذهب المبردُ وابنُ السراج والأخفشُ الأصغر وطائفةٌ من الحذاق والسهيليُّ إلى أنها لا تكون إلاَّ لابتداء الغاية، وأن سائر المعاني التي ذكروها راجع إلى هذا المعنى، ألا ترى أن التبعيض من أشهر معانيها، وهو راجع إلى ابتداء الغاية، فإنك إذا قلت: (أكلت من الرغيف) إنما أوقعت الأكل على جزء فانفصل فمآل معنى الكلام إلى ابتداء الغاية. )) [1] ، والى هذا ذهب الزمخشريُّ أيضًا إذ يقول: (( فـ(من) معناها ابتداء الغاية كقولك سرت من البصرة، وكونها مُبَعِّضَةٌ في نحو: أخذت من الدراهم، ومُبَيِّنَةٌ في نحو: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} (الحج من الآية: 30) ، ومَزِيدَةٌ في نحو: (ما جاءني من أحد) راجع إلى هذا. قال الشارح [وهو ابن يعيش] : قد صدَّر صاحبُ الكتاب كلامه وابتدأه بـ (من) وهي حريةٌ بالتقديم؛ لكثرة دَورِهَا في الكلام، وَسِعَةِ تَصرِّفها. ومعانيها وإن تعددت فمتلاحمةٌ، فمن ذلك كونها لابتداء الغاية، ... ، والغالب على استعمال (من) في هذا المعنى. )) [2] ، وزاد الأسترآبادي على القائلين بهذا الرأي عبد القاهر الجرجاني [3] .

يتبيَّن من كلام المراديّ وابن يعيش وغيرهما: أن (من) حرفٌ كثيرُ الاستعمال في لغة العرب، وسنتحقق من حجم استعمالها بصورة دقيقة في الفصل القادم عندما نوازن بين الاستعمال الشعري والقرآني للحرف، كما يشير أيضًا إلى سعة تصرف هذا الحرف، ومعنى سعة التصرف - كما أفهمه - أن المعنى الذي يؤديه هذا الحرف ليس معنىً جامدا ثابتا على حال واحدة، بل هو معنى متحركٌ، وحركيَّة المعنى تجعله يتلون بألوان خاصة من ظلال المعاني التي ترد عليه، أما القوة الفاعلة في حركيَّته فلاشك في أنها السياق، وكثرة دوران الحرف في اللغة جعله يرد في سياقات متعددة، ومن ثم تتلون معانيه إلى درجة ملحوظة، ويستمر ابن يعيش في الشرح قائلا: (( وقول صاحب الكتاب(وكونها مُبَعِّضَةٌ وزائدةٌ راجع إلى هذا المعنى) إلى ابتداء الغاية، فإن ابتداء الغاية لا يفارقها في جميع ضروبها، فإذا قلت أخذت من الدراهم درهما فإنك ابتدأت بالدرهم، ولم تنته إلى آخر الدراهم، فالدرهم ابتداء الأخذ إلى أن لا يبقى منه شيء، ففي كل تبعيض معنى الابتداء الذي انتهاؤه الكل. )) [4] ثم يستمر في كلامه في محاولة منه لبيان كيفية عَودَةِ المعاني الكثيرة التي نسبت لـ (من) إلى معنى ابتداء الغاية الذي هو المعنى الأصلي لهذا الحرف عند هؤلاء العلماء.

ومع أن هذا الرأي - عودة معاني (من) إلى معنى واحد - قد أيَّده كبار النحويين إنني أجد قُبَالته رأيًا آخر، ربما كان يميل إليه سيبويه وآخرون، فمعنى فقولنا: (أخذت من المال) عند هؤلاء أخذت بعضه، فـ (من) عند سيبويه تكون للتبعيض مجردةً من الابتداء [5] ، أي إن معناها قسمٌ برأسه، وهنا نعود فنتذكر كلام ابن جنيٍّ الذي يقول فيه: (( فإن قلت يكون من الحروف ما

(1) - الجنى الداني: 319 - 320، وينظر معه: المقتضب: 1\ 404، الأصول: 1\ 326 - 327، شرح الرضي على الكافية: 4\ 266، مغني اللبيب: 419.

(2) - شرح المفصل: 8\ 10.

(3) - ظ: شرح الرضي على الكافية: 4\ 266.

(4) - شرح المفصل: 8\ 13.

(5) - ظ: الكتاب: 4\ 224 - 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت