التي هي معان هامشية فتفهم بمساعدة القرائن والسياق العام للنص، وهنالك من العلماء من صرَّح بأنها لا تفيد سوى معنى واحدٍ، وأن بقية المعاني راجعة إلى ذلك المعنى الرئيس، وأن هذا الاستعمال في المعاني الأخرى يكون على نحو الاتساع [1] ، وبشيء من التأويل ترجع إلى المعنى الرئيس، قال المالقيُّ عن (في) : إنها (( تجيء بمعنى حروف أخر، إذا حققت رجع معناها إليها. ) ) [2] ، وقال المراديُّ: (( مذهب سيبويه والمحققين من أهل البصرة أن(في) لا تكون إلاَّ ظرفية حقيقة أو مجازا، وما أوهم خلاف ذلك رُدَّ بالتأويل إليه. )) [3] ، وفي تصريحاتهم تأييد لما أطرحه من فرضية المعنى المركزي والمعاني الهامشية للحرف، إلاَّ أن القول بعودة المعنى إلى الظرفية عن طريق التأويل قد يفقد بعض النصوص حيويتها، وقد يكون في التأويل تكلفٌ وتعسفٌ وهذا ما استشعره الإربليُّ [4] ، وإذا أردنا أن نكون أكثر إنصافا علينا أن نقول: إن المعنى الجديد الذي أفاده الحرف - في أمثال تلك النصوص - هو المعنى الأصلي الذي تلوَّن بفعل السياق فأصبحت له خصوصية معينة، وأضحت لمعناه الأصلي ظلال لطيفة، عندها يكون المعنى أكثر حيوية وملاءمة لواقع استعمال اللغة بوصفها طاقة إبداعية قابلة لتوصيل المعنى بأشكال مختلفة ومتنوعة بحسب قدرة مستعمل هذه اللغة وإمكانياته في توظيف عناصرها المرنة لتوصيل أكبر قدر من المعنى في أقل قدر من الألفاظ، وهنا تكمن مزايا تفوق لغة ما على غيرها.
من المعاني التي قيل إن (في) تأتي بها معنى المصاحبة أي معنى (مَعَ) [5] ، كقوله تعالى: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ .. } (الأعراف من الآية: 38) ، معناه: ... (( ادخلوا في النار مع أمم {قد خلت من قبلكم} وتقدّم زمانهم زمانكم. ) ) [6] ، وقال الرازيّ: (( أما قوله تعالى: {ادخلوا في أمم} ففيه وجهان: الوجه الأول: التقدير: ادخلوا في النار مع أمم، وعلى هذا القول ففي الآية إضمارٌ ومجازٌ، أما الإضمار فلأنا أضمرنا فيها قولنا: في النار. وأما المجاز، فلأنا حملنا كلمة «في» على «مع» لأنا قلنا معنى قوله: {في أمم} أي مع أمم. والوجه الثاني: أن لا يلتزم الإضمار ولا يلتزم المجاز، والتقدير: ادخلوا في أمم في النار، ومعنى الدخول في الأمم، الدخول فيما بينهم. ) ) [7] . ويبدو من خلال الإطلاع على تفاسير جمع من العلماء أن الأولى حمل الآية على معنى الظرفية لا على معنى المصاحبة [8] ؛ وذلك لأن المصاحبة تفيد المشاركة في وقت الدخول والاقتران في الدخول إلى النار في وقت واحد، أي: كل تلك الأمم تدخل في وقت واحد، في حين أنَّ الظاهر من الآية أن الأمم المتقدمة زمنيا هي السابقة في الدخول إلى النار والأمم الكافرة اللاحقة أو المتأخرة زمانيا تدخل بعد تلك الأمم المتقدمة، وهذا ما يوافق العدل الإلهي، ويدل عليه قوله تعالى في نهاية الآية: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ} فالتدارك يدل على أن الأمم اللاحقة قد دخلت النار بعد الأمم السابقة وهنالك مهلة ووقت قبل اجتماعهم فيها جميعا وحصول ذلك الحوار بينهم.
(1) - ظ: معاني الحروف: 96، أسرار العربية: 235، اللباب في علل البناء والإعراب: 1\ 358.
(2) - رصف المباني: 388.
(3) - الجنى الداني: 268.
(4) - ظ: جواهر الأدب: 132.
(5) - ظ: حروف المعاني: 83، رصف المباني: 391، الجنى الداني: 266 مغني اللبيب: 223، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: 3\ 38، جواهر الأدب: 131.
(6) - الكشاف: 2\ 78، وينظر معه: التبيان: 9\ 227.
(7) - مفاتيح الغيب: 14\ 237.
(8) - ظ: معاني القرآن (النحاس) :3\ 32، جامع البيان: 8\ 127، جوامع الجامع: 1\ 645، مفاتيح الغيب: 14\ 237، التبيان في إعراب القرآن: 2\ 235، الجامع لأحكام القرآن: 7\ 204، البحر المحيط: 5\ 40 - 46، التضمين بين حروف الجر في القرآن الكريم: 129.