فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 295

ثم إن إبقاء معنى (في) على الظرفية في هذه الآية أولى؛ لأن الآية الكريمة تريد أن تلك الأمم التي خلت من قبلهم أصبحت هي نفسها ظرفا ووعاءً لهذه الأمم اللاحقة، فالأمم المتقدمة بدخولها النار في زمن سابق للأمم اللاحقة أضحت جزءا من النار، ومن ثم فهي جزءٌ من الوعاء الذي يحتوي الأمم اللاحقة، وهذا المعنى يستعان على فهمه بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة من الآية:24) ؛ إذ الآية تشير إلى أن الناس يصبحون بعد دخولهم النار جزءا منها إذ هم وقودها الذي يشتعل، وهذا الفهم للآية أراه واضحا وجليا، وإن لم أر من إشارة إليه في ما اطلعت عليه من تفاسير، وعليه يكون إبقاء الحرف (في) على دلالته المركزية أولى لأنه سيوصل قدرا أكبر من المعنى مما لو حملناه على معنى المصاحبة.

ومن المواضع التي حمل معنى (في) فيها على معنى المصاحبة قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} (القصص: 79) ، قال القرطبيُّ: (( «فِي زِينَتِهِ» أي مع زينته. ) ) [1] ، وقد راجعت في هذه الآية الكريمة كل ما وقع تحت يدي من أمات التفاسير فلم أجد من يشير إلى هذا المعنى غير القرطبيّ، ويخرجها ابن جني بحذف متعلق الظرف وبقاء (في) على معناها الأصلي، إذ ليس لها معنى غير الظرفية عند البصريين [2] ، والأنسب في معنى الآية أن يحمل معنى (في) فيها على المعنى العام وهو الظرفية، إذ الآية الكريمة تريد تصوير قارون وقد خرج على قومه وزينته كلها ظرف له لينبهر به وبملكه هذا كل من يراه ممن يريدون ثواب الدنيا، فهؤلاء يشعرون بعظمته لعظم أمواله وزينته [3] ، وأعتقد أنَّ الآية الكريمة كانت تريد الإلحاح على هذا المعنى في ذهن المتلقي.

وربما فهم بعضهم معنى المصاحبة من قول امرئ القيس [4] :

(الطويل)

أَلا عِم صَباحًا أَيُّها الطَلَلُ البالي ... وَهَل يَعِمَن مَن كانَ في العُصُرِ الخالي

وَهَل يَعِمَن مَن كانَ أَحدَثُ عَهدِهِ ... ثَلاثينَ شَهرًا في ثَلاثَةِ أَحوال

قالوا معناه ثلاثين شهرا مع ثلاثة أحوال، في حين كان البطليوسيّ (ت 521 هـ) وكثير من العلماء يرون أن معنى (في) هنا معنى (من) [5] ، أقول: إن حمل معنى (في) في هذا البيت على معنى (مع) حملٌ على معنى بعيد، قد يكون غير مستساغ إذ المعنى سيكون: إن أحدث عهده بتلك الديار خمس سنين ونصف، وهو مجموع ثلاثة أحوال مع ثلاثين شهرا، وفي هذا الكلام لبسٌ لا يلجأ إليه البليغ في نظمه، فأراه مستبعدا، أما حمله على معنى (من) فممكن أن يكون ذلك معنى هامشيا مضافا إلى المعنى المركزي وهو الظرفية فالأحوال الثلاثة متضمنة للأشهر الثلاثين وهي وعاءٌ لها، ومن ثم فالثلاثون جزءا منها، وهكذا يتبين المعنى المركزي والمعنى السياقي بوضوح لا لبس فيه، بل فيه تعبير عن المعنى في أقل قدر من الألفاظ وهذا سبيل الكلام البليغ.

(1) - الجامع لأحكام القرآن: 13\ 316، وينظر معه مغني اللبيب: 223.

(2) - الخصائص: 2\ 314 - 315.

(3) - ظ: مفاتيح الغيب: 25\ 16.

(4) - ظ: معاني الحروف: 96، والبيت في ديوان امرئ القيس: 27.

(5) - ظ: حروف المعاني:83، شرح الأشعار الستة الجاهلية:1\ 117،ارتشاف الضرب:2\ 446،الجنى الداني:267،مغني اللبيب:225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت