فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 295

إن الشواهد المتقدمة التي حاول بها العلماء أن يثبتوا معنى المصاحبة لـ (في) قليلة الدقة ولا تحتمل هذا المعنى، وأفضل منها شاهدٌ ذكره المالقيُّّ، وهو قول الشاعر [1] :

(الطويل)

أوْ طَعمُ غَادِيَةٍ في جَوْفِ ذِي حَدَبٍ ... مِن سَاكِن المُزْن يَجْري في الغَرَانِيق

أي: مع الغَرَانِيق، وهي طيرُ الماء، ورجع المالقيُّ المعنى هنا أيضًا إلى معنى الظرف والوعاء المجازي: (( لأن الماء وإن كان جاريا مع الغرانيق فهو في جملتها في الجري، وكلما يرد عليك من وضعها [يعني(في) ] مكان غيرها فإلى معناها يرجع. )) [2] . إن معنى المصاحبة في الجري بين الماء وطيور الغرانيق ملحوظ هنا، وإن كان الماء وعاءً لجري الغرانيق، فالحرف (في) حُمِّل في هذا السياق معنى إضافيا إلى الظرفية التي هي معناه المركزي هذه الإضافة هي كون الوعاء (الماء) وما يحتويه كلاهما في حالة جريان، إن تكريس [3] المعنى بهذا الشكل شأن المستوى البليغ من كلام الشعراء والخطباء، ولو كان للحرف معنى جامد لما تمكن الشاعر من توظيفه لنقل قدر مضاف من المعنى إلى معناه الأصلي بسهولة ويسر.

ومن المعاني الشهيرة التي قيل إن (في) تأتي لها معنى التعليل والسببية [4] ، نحو قوله تعالى: {قَالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} (يوسف من الآية:32) ، وقوله - عز وجل: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور:14) ، ومنه ما يروى عن النبي (:(( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها، ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض. ) ) [5] ، قال النووي في شرحه: (( معناه عُذِّبَت بسبب هرةٍ ومعنى دخلت فيها أي بسببها. ) ) [6] ، إن معنى التعليل والسببية مستفاد من السياق في الحديث وفي الآيتين الكريمتين، والعلَّة زيادة على المعنى المركزي لهذا الحرف أوجدها السياق من باب المجاز إذ (( السبب يتضمن الحكم، والحكم يلازمه فصار للحكم كالظرف الحافظ لما فيه. ) ) [7] .

ومن المعاني التي ذكرتها المصادر على أنها من معاني (في) معنى (على) وهو الاستعلاء [8] ، وأشهر ما مثلوا به لهذا المعنى قوله تعالى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (طه من الآية:71) ، يرى الطبري - وفريق معه - أن معناه (( لأصلبنكم على جذوع النخل، كما قال الشاعر [وهو سويد اليشكريّ(ت 60 هـ) [9] ]:

(الطويل)

وَهُم صَلَبوا العَبديَّ في جَذعِ نَخلَةٍ ... فَلا عَطَسَت شَيبانُ إِلاّ بَأَجدَعا

(1) - رصف المباني: 391، والبيت ينسب لخراشة بن عمرو العبسي، وينظر معه: المخصص:14\ 68.

(2) - رصف المباني: 391.

(3) - التكريس: ضمُّ الشيء بعضه إلى بعض، ينظر: لسان العرب: مادة (كرس) : 6\ 194.

(4) - ظ: شرح الرضي على الكافية: 4\ 279، الجنى الداني: 266، مغني اللبيب: 224، أوضح المسالك: 3\ 38، شرح ابن عقيل: 2\ 21، البرهان: 4\ 302، الإتقان:1\ 166، التراكيب اللغوية في العربية: 67.

(5) - مسند أحمد 2\ 261، وينظر معه: صحيح البخاري:3\ 77، 4\ 100، وسائل الشيعة: 11\ 544،29\ 14، 261.

(6) - صحيح مسلم بشرح النووي: 14\ 240.

(7) - اللباب في علل البناء والإعراب: 1\ 358.

(8) - ظ: حروف المعاني: 12، معاني الحروف: 96، الصاحبي في فقه اللغة:158، شرح الرضي على الكافية: 4\ 279، رصف المباني:388 - 389، الجنى الداني:266، مغني اللبيب:224، اللباب في علل البناء والإعراب:1\ 358، الإتقان:1\ 166.

(9) - ديوان سويد بن كاهل اليشكري: 45، وينظر معه: الخصائص: 2\ 313، الصاحبي في فقه اللغة:158، المخصص: 14\ 64، الأمالي الشجريَّة: 2\ 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت