فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 295

يعني على جذع نخلة، وإنما قيل: في جذوع، لأن المصلوب على الخشبة يرفع في طولها، ثم يصير عليها، فيقال: صلب عليها. )) [1] ، وهذا هو معنى التناوب بين حروف الجر، الذي قال به الكوفيون، كما أشرت في ما تقدم.

في حين كان النحاس يرى هذا الكلام غير دقيق إذ يقول: (( وقد قال هذا [أي التناوب بين حروف الجر] بعض أهل اللغة، وذهبوا إلى أن حروف الخفض يُبدَل بعضها من بعض واحتجوا بقوله تعالى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} قالوا معنى(في) معنى (على) وهذا القول عند أهل النظر لا يصح؛ لأن لكل حرف معناه، وإنما يتفق الحرفان لتقارب المعنى فقوله تعالى {ولا صلبنكم في جذوع النخل} كان الجذع مشتملا على من صلب، ولهذا دخلت (في) ؛ لأنه قد صار بمنزلة الظرف. )) [2] ، ويتفق معه الزمخشريُّ إذ يقول: (( شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه، فلذلك قيل: {في جذوع النخل} . ) ) [3] ، وكذا العكبريُّ رأى أن (((في) هنا على بابها لأن الجذع مكان للمصلوب ومحتو عليه. )) [4] ، وقد عدَّ الرازي القول إن (في) بمعنى (على) في هذه الآية الكريمة من المشهور لكنه ضعيفٌ [5] . وتقارب المعنى الذي أشار إليه النحاس في نصه المتقدم هو مرادهم من نظرية التضمين التي يقول بها البصريون قبالة نظرية تناوب الحروف الكوفية، وهذا ما صرَّح به ابن يعيش قائلا: (( وأما قوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} فليست في معنى(على) على ما يظنه من لا تحقيق عنده، ولما كان الصلب بمعنى الاستقرار والتمكُّن عُدِّيَ بـ (في) كما يُعَدَّى الاستقرار، فكما يقال تمكن في الشجرة، كذلك ما هو في معناه. )) [6] .

إن ما أشار إليه البصريون من بقاء (في) على معناها الأصلي الذي هو الظرفية صحيح، وهذا هو معنى الحرف المركزي الذي يبقى محافظا على قدر معين منه في استعمالاته كلها، ولكن السياق هنا حمَّل هذا الحرف قدرا إضافيا من المعنى استشعره كل من الكوفيين والبصريين، هو معنى استعلاء جثة المصلوب فوق الخشبة التي يصلب عليها، وارتكاز هذه الصورة في الذهن هي التي أتت بمعنى الاستعلاء في هذا النص وأمثاله، ولكن النص في الآية الكريمة لم يكن يريد معنى الاستعلاء فقط، ولو كانت الآية تريد ذلك فقط لأتت بـ (على) ، لكن معنى الظرفية والتَمكُّن واستقرار جثة المصلوب ملحوظٌ ومقصودٌ أيضًا، لذا جاء النص الكريم بـ (في) دالة على معناها المركزي، وحملها السياق معنى مضافا هو الاستعلاء، فتمكن الاستعمال البلاغي للمفردة في هذا النص من توظيفها توظيفا بلاغيا لإيصال قدر أكبر من المعنى.

إنَّ تغليب النصوص البلاغية للمعنى الهامشي لحرف ما عملٌ مقصودٌ يعند إليه منشئ النص، فهو سمة بلاغية لا يجوز لغير النصوص البليغة أن تبدعه، فليس للمتكلم في مجالات الكلام اليومية المعتادة أن يخرج عن المعهود من السياقات الكلامية للغة الكلام اليومي، وليس للمتكلم باللغة القياسية أن يفعل ذلك أيضًا، فالخروج على المألوف لا يسمح به إلاَّ في مستوى النصوص البليغة، ولقد أبدع النص القرآني كثيرا من السياقات التي جعلت الحرف يوصل لنا معنى خاصا فضلا عن معناه المركزي.

(1) - جامع البيان: 16\ 140، وينظر معه: التبيان: 7\ 190، مجمع البيان: 7\ 38، الجامع لأحكام القرآن: 11\ 224، التضمين بين حروف الجر في القرآن الكريم:128.

(2) - معاني القران: 1\ 405.

(3) - الكشاف: 2\ 545، وينظر معه: جوامع الجامع: 2\ 492.

(4) - التبيان في إعراب القران: 2\ 124.

(5) - مفاتيح الغيب: 22\ 75.

(6) - شرح المفصل: 8\ 20، وينظر معه: شرح الرضي على الكافية: 4\ 279، البحر المحيط: 7\ 355.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت