فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 295

ومما حمل على معنى الاستعلاء من استعمالات أصحاب المعلقات لـ (في) قول عنترة [1] :

(الكامل)

بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيابَهُ في سَرحَةٍ ... يُحذى نِعالَ السِبتِ لَيسَ بِتَوأَم

يصف عنترة بطلا كان قد أجهز عليه وقتله بأنه طويل حتى كأن ثيابه ليست على بدن إنسان بل هي تستر شجرة عظيمة طويلة. إن معنى الاستقرار ملحوظ هنا أيضًا كما في الآية المتقدمة (( لأنه قد علم أن الشجرة لا تنشق وتستودع الثياب، وإنما المراد استقرارها في سرحة، فهو من قبيل الفعلين أحدهما في معنى الآخر. ) ) [2] فهي على هذا الفهم الذي يقول به البصريون تكون على بابها، لأن ثيابه إذا كانت عليها، أضحت (السرحة) موضعًا لها [3] . الظرفية التي هي المعنى المركزي لـ (في) جاءت بمعنى الاستقرار، ومعنى الاستعلاء تأتَّى من السياق، وبهذا نحفظ للحرف معناه الذي وضع له أصلا، ونحفظ للشاعر إبداعه الأدبي في نصه الذي تمكن فيه من تحميل المفردات معاني هامشية بحسب مقدرته.

ومن المعاني التي نسبت إلى هذا الحرف مرادفته لـ (إلى) [4] ، وجعلوا منه قوله تعالى: {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّو ا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُو ا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} (إبراهيم من الآية:9) ، قال المالقيُّ: (( أي: إلى أفواههم؛ لأن(ردَّ) يتعدى بـ (إلى) ، كقوله تعالى: {إنا رادوه إليك} ، لكن إذا تحققت هذا فالمعنى: أنهم ردُّوا أيديهم إلى أفواههم فقد أدخلوها فيها. )) [5] ، يبدو من كلام المالقي إن الذي حمل بعض النحاة على القول بأن معنى (في) في هذه الآية معنى (إلى) هو ما لاحظوه من كثرة تعدي الفعل (ردَّ) بـ (إلى) ، ومعنى (إلى) هو انتهاء الغاية، فإذا أردنا أن نطبق هذا المعنى في هذا النص سيكون الكافرون ردوا أيديهم إلى أن انتهوا بها إلى أفواههم، فالأفواه مكان انتهت الأيدي إليه، لكن هذا المعنى ليس هو المراد من هذا النص، وإذا أخذناه بهذه السهولة سوف نفقده الكثير من قيمته الجمالية والبلاغية.

لقد نقلت كتب التفاسير المختلفة أكثر من سبعة أوجه في تأويل هذه الآية الكريمة، وأعتقد أنَّ أولاها بالقبول قولهم (( إن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها من الغيظ والضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل واستماع كلامهم، ونظيره قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُو ا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} (آل عمران: من الآية 119) وهذا القول مروي عن ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله تعالى، وهو اختيار القاضي. )) [6] ، وقد رأى النحاس أن هذا القول أولاها وأجلها إسنادا ثم استدل على صحته بآية سورة آل عمران، وبقول الشاعر [7] :

(الرجز)

لو أن سلمى أبصرت تخددي ... ودقةً في عظم ساقي ويدي

وبعد أهلي وجفاء عودي ... عضت من الوجد بأطراف اليد

(1) - ديوان عنترة (مولوي) :212، وينظر معه: مغني اللبيب: 224، خُزَانَةُ الأَدَبِ:9\ 485.

(2) - شرح المفصل:8\ 21، وينظر معه: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات:352، شرح المعلقات السبع:281، شرح القصائد التسع المشهورات:2\ 519.

(3) - ظ: الخصائص: 2\ 311، شرح الرضي على الكافية: 4\ 279، خُزَانَةُ الأَدَبِ:9\ 485 النحو في شروح المعلقات:48.

(4) - شرح الرضي على الكافية: 4\ 279، مغني اللبيب: 225.

(5) - رصف المباني: 388.

(6) - مفاتيح الغيب:19\ 67، وينظر معه جامع البيان:13\ 125، التبيان:6\ 278، الكشاف:2\ 368، مجمع البيان:6\ 62 - 63، زاد المسير:4\ 256 - 257،التبيان في إعراب القرآن:2\ 66، الجامع لأحكام القرآن:9\ 345، تفسير ابن كثير:2\ 544.

(7) - معاني القران:3\ 519، والبيت مجهول القائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت