فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 295

وأعتقد أنَّ حمل (عن) على معنى الباء فيه إجحاف لمعنى البيت فهو يريد المعنى كما أتصوره (فبينا هي تعرض عنهم وتدير وجهها، تبدي خَدًَّا أسيلا) ، ولا يريد معنى أنها تَعرِضُ عنهم وتبدي (بأسيل) ، والأسيل الأملس المستوي، وهو ضد (الكزِّ) ، والخد الأسيل هو اللين السهل الطويل [1] ، فإذا حملنا البيت على معنى (عن) الرئيس وهو التجاوز تكون هذه الفتاة متجاوزة بخدها مقاييس الجمال العادية إلى ما هو أبعد لتصبح تلك الفتاة فوق الطبيعي من هذه المقاييس. والذي دعاهم إلى تخريج (عن) على معنى (الباء) مخافة وقوعهم في إشكال التنازع في العمل إذ هنالك فعلان يطلبان الاسم، ولابد أن يكون العامل فيه واحدًا منهما [2] .

إن قول العلماء بمجيء (عن) بمعنى (في) أو (من) أو (الباء) فيه اعتراف ضمني ودليل صريح على أن لكل واحد من هذه الحروف معنى مركزيا يدل عليه و (عن) قد جاءت تفيد هذا المعنى المركزي لا غيره، إذ هم يذكرون لكل واحد من هذه الحروف معاني كثيرة فلو كانت كلها معاني أصلية موضوعا لها الحرف على نحو المشترك اللفظي لأصبح قولهم بمجيء (عن) مكان أحدها يولد لبسا وعدم وضوح، أي إلى أيٍّ من تلك المعاني الكثيرة كان سيشير (عن) ؟ فالعلماء كانوا يرون أن الحرف يشير إلى أشهر تلك المعاني، وهو المعنى المركزي للحرف، وإن لم يصرحوا بذلك. فالقول بالتناوب يتضمن اعترافا بأن لكل حرف معنى مركزيا، وهذا القدر مشترك بين فرضية المعنى المركزي والمعاني الهامشية، والقول بالتناوب، ويفترقان بأنهم يقولون أن الحرف يأتي نائبا مكان حرف آخر، وأقول إن الحرف باقٍ على معناه العام لكن السياق يحمله توصيل أجزاء مضافة إلى ذلك المعنى العام، وتختلف هذه الإضافات من نص لآخر.

أما معنى الاستعانة، كقولهم (رميت عن القوس) يريد رميت بالقوس، فهو نفسه معنى (الباء) ، ونقله ابن هشام عن ابن مالك [3] . والمثال الذي مثلوا به لمجيء (عن) بمعنى (الاستعانة) نتحسس فيه المعنى العام لـ (عن) بوضوح فرميت عن القوس أبعدت السهم عنه وتجاوزت السهم بالقوس. أما معنى الاستعانة فيفهم من السياق، إذ الأداة التي تستعمل في إنجاز الفعل تكون معينة للرجل على ذلك الفعل. و (عن) خارج هذا السياق لا تفيد معنى الاستعانة.

وقال بعضهم إنها تأتي زائدة للتعويض ومثلوا له بقول زيد بن رزين [4] :

(الطويل)

أتجزع أن نفس أتاها حمامها ... فهلا التي عن بين جنبيك تدفع

بمعنى: فهلاَّ تدفع عن التي بين جنبيك فحذفت (عن) من أول الموصول وزيدت بعده. وأرى أن في البيت تقديما وتأخيرا دفع الشاعر إليه مقاييسُ الشعر، ولو كان في سعة الكلام لم يقل مثل هذا الكلام العويص، وقال ابن جني: (( أراد:(فهلا عن التي بين جنبيك تدفع) فزاد (عن) في قوله: (عن بين جنبيك) ، وجعلها عوض من (عن) التي حذفها، وهو يريدها في قوله (فهلا التي) ، ومعناها: (فهلا عن التي) . )) [5] ، وهذا الذي ذكره ابن جني إطالة لا موجب لها، وهي تظهر مقدرة النحاة على سلوك السبل الطويلة والمتعرجة للوصول إلى الأهداف القريبة، في حين نصَّ سيبويه على إن (عن) لا تزاد [6] ، ولا أعلم ما المانع من أن

(1) - ظ: لسان العرب: مادة (أسل) : 11\ 15.

(2) - ظ: رصف المباني: 369 - 370.

(3) - ظ: مغني اللبيب: 198.

(4) - ظ: مغني اللبيب: 198، خُزَانَةُ الأَدَبِ: 10\ 144.

(5) - ظ: المحتسب: 1\ 280.

(6) - ظ: الكتاب:1\ 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت