فلفظة {عن} كالتنبيه على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب. )) [1] ، يقدم لنا هذا النص ثلاثة مشارب مختلفة في فهم الخطاب القرآني، ولكل رأيه الذي كونه بمساعدة القرائن المتعددة لفهم كلام الله تعالى، فالأول هو القول بتناوب الحروف - وهو ما لا أعتقده - والثاني منهما استشعر مع معنى (عن) العام معنى إضافيا هو تسهيل السبيل إلى التوبة، ولم يَعِ الرازي كيف فهم صاحب هذا القول من الحرف هذه الدلالة، وأنا أيضًا لا أفهم كيف فهم من الحرف ذالك، لكن وجود هذا الرأي فيه تأييد لما يراه الباحث من نظرية المعنى المركزي والمعاني الهامشية، أما رأي الرازي نفسه فقد أبقى الحرف على معناه العام والذي هو المجاوزة والبعد، وفهم النص في ضوء هذا المعنى، وقال ابن يعيش: (( وتقول أطعمته من جوع وعن جوع، فإذا جئت بمن كانت لابتداء الغاية؛ لأن الجوع ابتداء الإطعام، وإذا جئت بعن فالمعنى أن الإطعام صرف الجوع لأن(عن) لما عدا الشيء. )) [2] ، يشير ابن بعيش إلى ضرورة التنبه على مقصد المتكلم من العبارة، فإن لحظ الجوع بوصفه بداية الإطعام كان المعنى يقتضي (من) ، وإن لُحِظَ بوصفه صارفًا للجوع ومبعدًا له كان المعنى يتطلب (عن) ، فالمتكلم هو صاحب الحق في أقرار أي الحرفين يضع في عبارته، فالمتلقي ما عليه إلاَّ الاستقبال من المنشئ فإن جاءته (عن) كان للعبارة معنى، وإن جاءته (من) كان لها معنى آخر، أما إشمام (عن) معنى (من) فهذا يتوقف على قابلية منشئ الكلام على تحميل سياق عبارته من القرائن ما تجعل المتلقي يفهم ذلك القدر من المعنى الإضافي الذي يريده المنشئ، وأفضل النصوص قدرة على إثارة المعاني هي النصوص الأدبية عامة والشعرية خاصة.
وقيل: إن (عن) تأتي بمعنى الباء، ومثَّلوا له بقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (النجم:3) ، أي: ما ينطق بالهوى. إن ما طرحه أصحاب هذا الرأي فيه تغيرٌ كبيرٌ للمعنى، وأكثر المفسرين يقولون ببقاء (عن) على بابها، قال العكبريُّ: (( و(عن) على بابها: أي لا يصدر نطقه عن الهوى، وقيل هو بمعنى الباء. )) [3] ، وقال الزركشيُّ إنها تأتي: (( بمعنى الباء نحو {ينطق عن الهوى} وقيل على حقيقتها، أي: وما يصدر قوله عن هوى، وقيل للمجاوزة لان نطقه متباعد عن الهوى متجاوز عنه، وفيه نظر؛ لأنها إذا كانت بمعنى الباء نفي عنه النطق في حال كونه متلبسا بالهوى، وهو صحيح، وإذا كانت على بابها نفي عنه التعلق حال كونه مجاوزا عن الهوى، فيلزم إن يكون النطق حال كونه متلبسا بالهوى، وهو فاسد. ) ) [4] . الإشكال الأخير الذي طرحه الزركشيُّ ليس دقيقا؛ إذ لا يلزم من كونه متجاوزا عن الهوى ومبتعد عنه أن يكون متلبسا فيه [5] ، وكذالك رأى الشوكانيُّ أن الحرف هنا باق على أصله قائلا: (( أي: ما يصدر نطقه عن الهوى لا بالقرآن، ولا بغيره، فعن على بابها. وقال أبو عبيدة: إنّ عن بمعنى الباء أي: بالهوى. ) ) [6] ، وهذا هو رأي ابن هشام أيضًا بقاء (عن) على بابها [7] . ومما حمل على معنى الباء قول امرئ القيس في معلقته [8] :
(الطويل)
تَصُدُّ وَتُبدي عَن أَسيلٍ وَتَتَّقي ... بِناظِرَةٍ مِن وَحشِ وَجرَةَ مُطفِل
(1) - مفاتيح الغيب: 16\ 139.
(2) - شرح المفصل: 8\ 41 - 42.
(3) - التبيان في إعراب القرآن: 2\ 246، وينظر معه: التبيان:9\ 421، مجمع البيان: 9\ 288.
(4) - البرهان: 4\ 287.
(5) - ظ: تناوب حروف الجر في لغة القرآن الكريم: 29، 104.
(6) - فتح القدير: 5\ 104.
(7) - مغني اللبيب: 198.
(8) - ديوان امرئ القيس:16، وينظر معه: المخصص:14\ 65، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات:59، شرح المعلقات السبع:100، شرح القصائد التسع المشهورات:1\ 141 - 142، شرح الأشعار الستة الجاهلية:1\ 87.