مواضعه) بـ (من بعد مواضعه) . وسياق الآية يحتمل أن يكون التحريف بعد مواضعه، أي من بعد أن وضعه الله مواضعه، ففرض فروضه وأحل حلاله وحرّم حرامه [1] . ويحتمل أن يكون التحريف بإبعاد النص عن مواضعه بالنطق أو بالإخراج من أصل النص أي إسقاطه من الكتاب، وكل هذا مجاوزة للموضع، ففي التخريج الأول معنى الإبعاد والتجاوز حاصل بعد أن كان الله تعالى قرر الأحكام تجاوزها المتجاوزون، وفي الثاني هنالك تجاوز حقيقي بإبعاد النص الإلهي، وهذا هو معنى (عن) المركزي.
ويطرد هذا الحال في النصوص المختلف التي استشهدوا بها لإثبات دعواهم بأن (عن) تأتي للظرفية أي بدلا من (في) ، واستشهدوا عليه بقول الأعشى الكبير (ت 7 هـ) [2] :
(الطويل)
وَآسِ سَراةَ الحَيِّ حَيثُ لَقيتَهُم ... وَلا تَكُ عَن حَملِ الرِباعَةِ وانِيا
أي: (( ولا تكن وانيا في حمل الرباعة ) ) [3] ؛ ولأن (وَنِيَ) يتعدَّى بـ (في) في قوله تعالى [4] : {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} (طه:42) . قال العلماء: إن (عن) جاءت في بيت الأعشى بمعنى (في) أو بدلا منها، في حين قول الأعشى يحتمل معنى البعد والمجاوزة، وما من موجب لطلب معنى آخر فهو يريد (لا تك متجاوزا ومبتعدا عن حملها) ، وقد أشار ابن هشام إلى معنى دقيق في هذا الفعل، إذ يقول: (( والظاهر أن معنى(وَنَى عن كذا) جاوزه، ولم يدخل فيه، و (وَنِيَ فيه) دخل فيه. )) [5] ، أعتقد أنَّ استشهاد بعض العلماء بهذا البيت لإثبات معاقبة (عن) (في) لم يحظ بالمسوغات الكافية، وكل الذي دفعهم له أنهم رأوا (وَنَى) في الآية التي ذكروها متعديا بـ (في) فظنوا أن الفعل ليس له إلاَّ هذا الحرف. غافلين عما أشار إليه ابن هشام.
وتأتي (عن) بمعنى (من) ، واستشهدوا له بقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} (التوبة: من الآية 104) ، أي يقبل التوبة من عباده، فالفعل (قبل) يتعدَّى بـ (من) قال تعالى: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ} (المائدة: من الآية 27) ، إن المعنى في الآية الأولى ليس مثل المعنى المراد في الآية الثانية ففي الأولى يقبل التوبة عن عباده أي يتجاوز بالتوبة عن العباد وتبعد التوبة عنهم العذاب، وتابوا عن ذنوبهم أي ابتعدوا عنها وتجاوزوها، في حين في الآية الثانية معناه رضي من أحدهما وأخذ منه، وهذا المعنى ليس كذاك. قال الرازي: (( {عن} في قوله تعالى: {عن عباده} فيه وجهان: الأول: أنه لا فرق بين قوله: {عن عباده} وبين قوله: من عباده يقال: أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك. والثاني: قال القاضي: لعل {عن} أبلغ لأنه ينبيء عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت، وأقول: إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة {عن} على هذا المعنى، والذي أقوله إن كلمة {عن} وكلمة «من» متقاربتان، إلا أن كلمة {عن} تفيد البعد، فإذا قيل: جلس فلان عن يمين الأمير، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ضرب من البعد فقوله: {عن عباده} يفيد أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه صار مبعدًا عن قبول الله تعالى له بسبب ذلك الذنب، ويحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه، وبعده عن حضرة نفسه،
(1) - ظ: مفاتيح الغيب: 11\ 358، تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان في تفسير القرآن) : 1\ 429، فتح القدير:2\ 40.
(2) - ديوان الأعشى: 329.
(3) - ارتشاف الضرب:2\ 448.
(4) - ظ: معاني القرآن (الأخفش الأوسط) :2\ 407.
(5) - مغني اللبيب: 198.