فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 295

ومن المعاني المذكورة لـ (عن) التعليل، والتعليل المعنى الرئيس لحرف (اللام) ، ومن قال به قال بالمعاقبة والتناوب بين (عن) و (اللام) ، واستشهدوا عليه بقوله تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} (هود: من الآية 53) . ورأي الزمخشريّ أنها باقية على حالها إذ يقول: (( {عن قولك} حال من الضمير في {تاركي} آلهتنا، كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ) ) [1] . ومنه قوله - عز وجل: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} (البقرة: من الآية 36) ، الضمير في {عنها} إن كان يرجع إلى {الشجرة} فالمعنى حملهما على الزلة بسببها، وحقيقته أنه أصدر الزلة عنها، ونقل فيها حملها (عن) على المعنى العام، فقيل: (( فأزلَّهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول: زلَّ عن مرتبته. وزلَّ عنِّى ذاك: إذا ذهب عنك وزلَّ من الشهر كذا. ) ) [2] ، ورجع أبو حيان معنى السببية إلى أثر همزة التعدية في الكلام بمعنى أنه مكنه من الزلل بتهيئة أسبابه أمامه، وأورد أيضًا معنى الإبعاد لأن الزلة هي سقوط في المعنى، إذ فيها خروج فاعلها عن طريق الاستقامة، وبعده عنها [3] . ومن إشارة أبي حيان يفهم أثر السياق في إفادة معنى السببية الذي أضيف إلى (عن) ، وعندها يكون حَملُ الحرفِ على المعنى العام هو الأقرب في الآية، أما حملها على معنى السببية فهو أبعد رتبة وإن كان يشترك في المعنى العام بوجه كما بين الزمخشري ونقله عنه ومال إليه ابن هشام [4] .

وذكر أيضًا أنها تأتي مرادفة (بعد) ، كقول القائل: (أطعمته عن جوع، وآمنته عن خوف) أي بعد جوع وبعد خوف، وحمل عليه قول امرئ القيس في معلقته [5] :

(الطويل)

وَتُضحي فَتيتُ المِسكِ فَوقَ فِراشِها ... نَؤومُ الضُحى لَم تَنتَطِق عَن تَفَضُّل

لم تنتطق أي لم تشدد وسطها بنطاق للعمل، والتفضل بقاء الإنسان في ثوب واحد للنوم أو العمل [6] ، والسياق هنا يحتمل أنها لم تشدد النطاق بعد أن نزعته للتفضل ليلا، ويحتمل لم تنتطق بسبب التفضل، فهي نزعت ثيابها وإن كان الوقت ضحى وبسبب التفضل فهي غير منتطقة، وهذا المعنى لم يشر إليه شراح الأشعار لكن المعنى يحتمله، وقد يكون هنالك معنى آخر أنها لم تنتطق كما تنتطق غيرها من النساء اللواتي تعاني أجسامهن من فضول السمنة التي تذهب برشاقتهن، فهي رشيقة أصلا وليست بها حاجة للبس نطاق، وأبعاد النطاق ومجاوزته موجود في التخريجين، فهو معنى عام يشملهما، وكل من (السببية) أو معنى (بعد) زيادة أضيفت إلى المعنى الرئيس، فالسياق يبقى هو مولد المعاني الهامشية في النصوص الأدبية.

ومن القرآن الكريم حمل على معنى (بعد) قوله - عز وجل: {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} (المؤمنون:40) ، ومنه أيضًا قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} (النساء: من الآية 46) ، وقال في موضع آخر: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِه} (المائدة: من الآية 41) ، فأبدلت (عن

(1) - الكشاف: 2\ 275، وينظر معه: همع الهوامع:2\ 29.

(2) - الكشاف: 1\ 273، وينظر معه: مفاتيح الغيب: 3\ 430 - 435.

(3) - ظ: البحر المحيط: 1\ 257 - 258.

(4) - ظ: مغني اللبيب:197، التراكيب اللغوية في العربية:67.

(5) - ديوان امرئ القيس: 17.

(6) - ظ: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات:65، شرح المعلقات السبع: 103، شرح القصائد التسع المشهورات:1\ 147، المخصص:14\ 67، شرح الشعار الستة الجاهلية:1\ 91، البيان في غريب إعراب القرآن: 2\ 503، التضمين بين حروف الجر في القرآن الكريم:115، النحو في شروح المعلقات:45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت