بَلِ اِذكُرَن خَيرَ قَيسٍ كُلِّها حَسَبًا ... وَخَيرَها نائِلًا وَخَيرَها خُلُقا
أي دَعْ عنك ما ذكر، واذكر خَيرَ قَيْسٍ حَسبَا ونَائِلا وخُلقا. فهو إضراب للانتقال لا على نحو الإبطال لما سبقه. ومثله قول لبيد [1] :
(الكامل)
بَل ما تَذَكَّرُ مِن نَوارَ وَقَد نَأَت ... وَتَقَطَّعَت أَسبابُها وَرِمامُها
فبعد أن تنقَّل الشاعر من لوحة إلى أخرى في معلقته، يُعرِضُ عن تذكِّر الفلاة وما فيها ويَصير إلى تذكِّر حبيبته (نوار) ، فهو إضراب للانتقال من غرض شعري إلى آخر، وهذا ما تعارف عليه الشعراء في مُطَوَّلاتِهم قبل نزول القرآن الكريم، فهم يَنتقلون من موضوع إلى آخر في قصيدتهم الطويلة، التي تحوي أغراضا متعددة من وصف الديار إلى تذكر الأحبة إلى وصف الرحلة والراحلة وصفاتها إلى وصف الطرد، ثم يصيرون إلى غرضهم الرئيس وهو المدح دائما، ولكنهم لا يستعملون حرف الإضرَاب (بل) دائما في الانتقال من غرض إلى آخر، بل لهم طرقهم الخاصة في ذلك، ويبدو أن أقلَّ تلك الطرق استعمالُ (بل) ، كما ثبت من الإحصاء.
وقد استعملت (بل) أيضًا للانتقال من معنى جملة إلى معنى آخر، وهذا في الأبيات الباقية التي استعملت فيها، فقد قال عنترة [2] :
(الكامل)
قُوْلا لِقَيْسٍ وَالرَبيعِ بِأَنَّني ... خَطُّ المَشيبِ عَلى شَبابي مَا عَلا
بَلْ لَوْ صَدَمتُ بِهِمَّتي جَبَلي حَرَّى ... قَسَمًا وَحَقِّ أَبي قُبَيسَ تَزَلزَلا
فعنترةُ بعدما ذكر في الجملة الأولى أنه لم يعترضه الشيب، أضرب إلى معنى ثان هو أنَّ همته لو صدمت الجبال لتزلزلت، وهو لا يريد إبطال المعنى الأول بل، يضيف له معنى آخر أعلى منه في الرتبة. ومثله قوله أيضا [3] :
(الطويل)
خَليلَيَّ ما أَنساكُما بَل فِداكُما ... أَبي وَأَبوها أَينَ أَينَ المُعَرَّجُ
وهنا أيضا بعدما يقرر أنه لا ينساهما، يُضرب إلى معنى آخر، وهو أنه يَفْدِيهِمَا بأبيه. وهذا معنى آخر فوق ذلك المعنى. ومثل هذا قول لبيد [4] :
(الكامل)
تَرّاكُ أَمكِنَةٍ إِذا لَم أَرضَها ... أَو يَعتَلِق بَعضَ النُفوسِ حِمامُها
بَل أَنتِ لا تَدرينَ كَم مِن لَيلَةٍ ... طَلقٍ لَذيذٍ لَهوُها وَنِدامُها
ينتقل لبيد من وصف حاله، بالتنقل من أماكن لا يرتضيها، إلى مُكَالَمَة صاحبته مُخبِرًَا إيَّاها عن كثير من الليالي الجميلة التي قضاها في حياته، فهو ينتقل من معنى إلى آخر، مع بقاء المعنى الأول مطلوبا، وغيرَ مُسْتَغني عنه، وكذلك ينتقل لبيد من معنى جملة إلى آخر في قوله [5] :
(الكامل)
(1) - شرح ديوان لبيد: 301.
(2) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) :185.
(3) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) :81.
(4) - شرح ديوان لبيد: 313، وينظر معه: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: 573 - 574.
(5) - شرح ديوان لبيد:272.