فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 295

وَالماءُ وَالنيرانُ مِن آياتِهِ ... فيهِنَّ مَوعِظَةٌ لِمَن لَم يَجهَلِ

بَل كُلُّ سَعيِكَ باطِلٌ إِلّا التُقى ... فَإِذا اِنقَضى شَيءٌ كَأَن لَم يُفعَل

ففي حين يذكر آيات الله تعالى، وما يجب على الإنسان من أخذ العبرة منها، إذا به ينتقل إلى معنى آخر، مخاطبا المتلقي بأن سعيه كله باطلٌ من غير تقوى الله، وهو لا يريد إبطال المعنى الأول، بل يضيف شيئا له، وتتسق هذه الإضافة مع النفس الشعري المتصاعد عند الشاعر في هذه القصيدة.

وكذلك تَنَقَّلَ عنترة من معنى إلى آخر قائلًا [1] :

(الكامل)

لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ ... بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَل

قرر الشاعر في الشطر الأول معنىً معينا هو أنَّه لا يريد هذه الحياة وإن امتدت إذا كانت مقرونة بالذُلَّ والهوان؛ فعزَّة نفس الشاعر تمنعه من العيش ذليلا، وفي عجز البيت ينتقل إلى معنى آخر يتسق مع الأول بل هو امتداد له، فيطلب أن يُسقى المنون بعزٍّ وكرامةٍ، وهذا تأكيد للمعنى الذي أورده في صدر البيت وإثبات له. ومثل هذا الاستعمال للحرف قوله في بيت آخر [2] :

(البسيط)

يا بَينُ رَوَّعتَ قَلبي بِالفِراقِ وَما ... أَبكي لِفُرقَةِ أَصحابٍ وَلا طَلَلِ

بَلْ مِنْ فِرَاقِ الَّتي في جَفنِها سَقَمٌ ... قَدْ زَادَنِيْ عِلَلًا مِنهُ عَلى عِلَلي

يرتقي عنترة من معنى أول في عجز البيت الأول إلى معنى ثانٍ في البيت الذي يليه، وهذا الانتقال لا على إبطال المعنى الأول، بل على تثبيته وتأكيده من خلال ذكر المعنى الثاني المتسق معه والمبنيّ عليه.

وهذا ما فعله زهير في بيته الآخر الذي استعمل فيه (بل) ، فيقول [3] :

(البسيط)

حَتّى إِذا قَبَضَت أولى أَظافِرِهِ ... مِنها وَأَوشِك بِما لَم تَخشَهُ يَقَعُ

حَثَّ عَلَيها بِصَكٍّ لَيسَ مُؤتَلِيًا ... بَل هو لِأَمثالِها مِن مِثلِهِ يَدَعُ

فهو يصف صقرا يصيد قطاةً، فما أن نبتت أظافر الصقر فيها راح يحث عليها بصك جناحيه يضربها بهما لا يألو جهدا في ذلك، وإذا به يضرب عن هذا المعنى ذاكرا أنَّ أمثاله في هذا الموقف يدعُّون أمثالها.

هذا كل ما عثرنا عليه في دواوين أصحاب المعلقات من استعمالاتِ هذا الحرف، والمعنى الذي تناولوه فيه هو الإضرَاب للانتقال من معنى إلى آخر، تارةً من معنى جملةٍ قريبةٍ إلى جملة أخرى تابعةٍ لها، وتارةً من معنى عامٍّ كان الشاعرُ قد تناوله في أبياتٍ كثيرةٍ مُشَكِّلَة غرضًا من أغراضٍ القصيدةٍ إلى معنىً آخرَ لاحقٍ لهُ يَتَناوله في أبياتٍ كثيرةٍ أخرى، وهو بهذا الانتقال يَدخلُ إلى غَرضِه الرئيس في القصيدة. وكانت (بل) في الأبيات كلها قد دخلت على

(1) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 113.

(2) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 116.

(3) - شرح ديوان زهير: 244 - 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت