إنَّ كل ما استعمل من موارد (هل) في شعر أصحاب المعلقات والأعمّ الأغلب من استعماله القرآني جاء من باب المجاز. والاستعمالُ المجازي للاستفهام يخرج به إلى أغراض متعددة اعتمادا على السياقات التي يرد فيها الحرف، وهذا يجعل الاستعمال المجازي للحرف نتيجة لإيحاء السياق العام للنص الذي يرد فيه ذلك الحرف.
المعنى الهامشي الأول لـ (هل) التحقيق:
لقد أجمعت المصادر على ذكر شواهد قرآنية لهذا الاستعمال، ولم يرو لنا أحدهم شاهدا من أشعار أصحاب المعلقات أو غيرهم من الجاهليين، ما قد يوهم بأن هذا المعنى لم يكن مستعملا قبل نزول القرآن، ولكن الحق أن هنالك عددا من الشواهد الشعرية يصحُّ حملها على هذا المعنى وقد ذكرت هنالك عددا منها للحارث وعمرو، وأزيد هنا لعنترة بيتا يمكن أن يحمل على هذا المعنى يقول فيه [1] :
(الطويل)
أَلا هَل أَتاها أَنَّ يَومَ عُراعِرٍ ... شَفى سَقَمًا لَو كانَتِ النَفسُ تَشتَفي
والمعنى قد أتاها أن يوم عراعر شفى سقمه وأخذ بثأره، وأكرر هنا ما نقلته آنفا من رأي كمال محمد بشر من أنَّ التنغيم - وهو أحد عناصر السياق - له قدرة على تحويل معنى الجملة من الاستفهام الحقيقي إلى الاستفهام المجازي الذي يخرج إلى معان منها التحقيق [2] ، أي إنَّ الشاعر قادر على إلقاء البيت بصورة يفهم منها المتلقي أنه مستفهم على نحو الحقيقة ويستطيع أن يفهم المتلقي أنه مستفهم على نحو المجاز، والمحدد الأكثر فاعليَّة في تشخيص أيّ المعنيين هو المراد التنغيم وطريقة نطق البيت أو الجملة.
ولبيد له أيضًا ما يمكن أن يحمل على هذا المعنى [3] ، ومنه أيضًا قوله [4] :
(الرجز)
هَل تَعرِفُ الدارَ بِسَفحِ الشَربَبَه ... مِن قُلَلِ الشِحرِ فَذاتِ العُنظُبَه
أي قد تعرف الدار مع ما جرى عليها من خلال معرفتك بموضعين قريبين منها، هما (قلل الشحر) و (ذات العنظبة) .
هذه (5) خمسة مواضع هي كل ما عثرت عليه في أشعار أصحاب المعلقات يمكن أن يكون الاستفهام المجازي فيها أخرج (هل) إلى معنى (قد) ، لتكون نسبته إلى مجموع الاستعمال الشعري (6%) ، وكنت قد جمعت من الآيات القرآنية المستعملة على هذا المعنى (9) تسع آيات [5] ، لتبلغ نسبة استعمالها في القرآن إلى مجموع الاستعمالات القرآنية (9%) ومعنى هذا أن القرآن قد توسع في استعمال الاستفهام المجازي بنسبة (3%) ليعطي من خلاله لـ (هل) معنى التحقيق أكثر مما كان عليه عند شعراء المعلقات.
المعنى الهامشي الثاني لـ (هل) النفي:
استعملت (هل) وهي تحمل معنى هامشيا هو معنى (ما) النافية، وقد ذكرت عددا من أقوال الشعراء والاستعمال القرآني لهذا المعنى بما لا يستوجب المزيد، وقد أحصيت من
(1) - ديوان عنترة (مولوي) : 228، أشعار عنترة العبسي:58.
(2) - ظ: علم اللغة العام (الأصوات) : 189 - 190، وينظر الفصل الثاني من هذه الدراسة:117 - 118.
(3) - شرح ديوان لبيد:74 - 75.
(4) - شرح ديوان لبيد:355.
(5) - يوسف: 89، طه:6، ص:21، الذاريات:24، الإنسان: 1، النازعات:15، المطففين:36، البروج:17، الغاشية:1.