إن دخول (إن) المخففة على الجملة الاسمية كان قليلا؛ إذ دخلت أربع مرات فقط من أصل سبع وعشرين مرَّة، لتكون نسبة دخول (إن) المخففة على الجملة الاسمية إلى مجمل استعمالها للتوكيد (14%) ، ولم يشر العلماء إلى أن دخولها على الاسمية قليل، بل هم أثبتوا دخولها على الاسمية فقط، وذكر العلماء أيضا أنها تدخل على الأفعال الناسخة، ونجدها قد دخلت (23) ثلاثا وعشرين مرَّة على الأفعال الناسخة لتكون نسبة دخول (إن) المخففة على الأفعال (82%) ، قبالة دخولها على الأسماء، وذكروا أن الفعل الذي تدخل عليه (إن) المخففة يكثر أن يكون ماضيا ناسخا، ودونه في الاستعمال أن يكون مضارعا ناسخا [1] ، وقد تحققت من هذا في الاستعمال القرآني فوجدته قولا دقيقا إلى حد ما؛ إذ دخلت (إن) المخففة على الأفعال الماضية الناسخة (21) واحدة وعشرين مرَّة من أصل (23) في حين دخلت على المضارع الناسخ مرتين فقط. ومع هذه النتائج عليَّ أن أقول: إن دخول (إن) المخففة على الأفعال الماضية الناسخة هو الأعم الأغلب من استعمالاتها في هذا المعنى، وقد تدخل على المضارع الناسخ في بعض الأحيان.
أما في الشعر فلم استطع أن أحصل على بيت واحد لشعراء المعلقات يكون شاهدا على هذا الاستعمال عند الشعراء، وكذلك لم يستشهد العلماء ببيت واحد لهذا الاستعمال من أشعار الجاهليين، ولقد عُدتُ إلى أشعارهم متفحصا لها فلم أفلح في رصد نموذج صحيح لـ (إن) المخففة من بين أكثر من عشرين ألف بيت جاهلي، على النحو الذي استعملها فيه القرآن الكريم. ومع هذه النتيجة أستطيع أن أزعم هنا أيضًا أن استعمال (إن) المخففة من الثقيلة نتاج قراني ابتدعه القرآن الكريم في لغته المعجزة. ويبقى هذا الزعم قائما حتى يأتي باحث بدليل ينقضه.
نعم أشار بعض الكوفيين إلى أن (إن) المخففة من الثقيلة قد تدخل على غير نواسخ الابتداء من الأفعال، خلافا للبصريين، فإنهم لا يجيزون ذلك، وقاس الكوفيون ذلك على قول عاتكة بنت زيد (ت 40 هـ) [2] :
(الكامل)
شَلَّتْ َيمينكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسلِمًَا ... َحلَّت عَليكَ عقُوبَةُ المُتَعمّد
واستنادا إلى ما تناهى إليهم من قول بعضهم: (إنْ قَنَّعتَ كَاتِبَكَ لَسَوطًَا) [3] . أقول لعل دعوى الكوفيين هذه لا تجد كثيرا من النصرة، فالاستعمال القرآني لـ (إن) المخففة لا يؤيده البتة، ثم ان للعلماء فيه قولًا آخر، وهو ما نقله البغدادي إذ يقول: (( هي عندهم {يعني الكوفيين} (إن) النافية و (اللام) بمعنى (إلا) . وهي عند الكسائي مخففةٌ إنْ دخلت على اسم، ونافيةٌ إنْ دخلت على فعل. فقوله: (إن قتلت لمسلمًا) عند جميع الكوفيين (إن) فيه نافية، و (اللام) بمعنى (إلا) . وعند البصريين مخففة مهملة، و (اللام) فارقة، ومسلمًا: مفعول قتلت، وجملة (إن قتلت لمسلمًا) جواب القسم. )) [4] ، وإذا كان تخريج الكوفيين لها على أنها نافية سقط الاحتجاج بها هنا. وقد يحمل هذا البيت على الشذوذ، كما صّرح العلماء بذلك قائلين في شأن البيت، وقول بعض العرب: (( وهما من الشذوذ بحيث لا يقاس عليهما. ) ) [5] ، وقد يكون وجه الشذوذ - إذا أردنا أن نحمل البيت على هذا المعنى - أنها أرادت أن تستعمل (إن) المخففة
(1) - نفسه.
(2) - روي البيت بروايات مختلفة وألفاظ متعددة، إذ ورد في شرح المفصل: 8\ 72 بلفظ (هبلتك أمّك إن ... ) ، وروي بلفظ (بالله ربك .. ) في شرح ابن عقيل: 1\ 382، وروي باختلاف بعض الألفاظ في عدد من المصادر. ظ: البغداديات: 178، الإنصاف: 2\ 641، ارتشاف الضرب:2\ 150، شرح الرضي: 4\ 366، رصف المباني: 109، الجنى الداني:229، مغني اللبيب: 37، خُزَانَةُ الأَدَبِ:10\ 373، 378.
(3) - ظ: المقرَّب: 1\ 112، رصف المباني: 109.
(4) - خُزَانَةُ الأَدَبِ:10\ 373 - 374.
(5) - رصف المباني: 109، وينظر معه: المصادر في الهامش السابق.