فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 295

أنَّ المُفسَّر هو الجملة [1] ، ففي قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ} (المؤمنون: من الآية 27) ، المُفسَّر هنا ليس جملة (أوحينا) ، لا بل هو مفعول مقدر تقديره (أمرا) ، وتفسره (أنْ) اصنع الفلك، ودعم رأيه هذا بما ذكره الرضي من إن الفرق بين حرفي التفسير (أي وأن) هو (( أن(أي) يُفسَّرُ بها كلَّ مبهم، من المفرد، نحو (جاءني زيد أي أبو عبد الله) ، والجملة، نحو: (هريق دمه أي مات) ، ... ، و (أنْ) لا تُفسِّر إلاَّ مفعولا مقدرا للفظٍ دالٍّ على معنى القول، مؤدٍ معناه، كقوله تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ} (الصافات:104) ، فقوله: {يا إبراهيم} تفسير لمفعول نادينا المقدر، أيْ: ناديناه بشيء، وبلفظ هو قولنا يا إبراهيم، وكذلك قولك (كتبت إليه أن قم) أيْ: كتبت إليه شيئا هو: قم، فـ (أنْ) حرفٌ دالٌّ على أنَّ (قم) تفسيرٌ للمفعول به المقدَّر لكتبت، وقد يفسر المفعول به الظاهر، كقوله تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ} (طه: 38 - 39) . )) [2] ، هذا الكلام يدفع الإشكال الذي أورده ابن هشام من إن الجملة المتقدمة على (أنْ) ليست هي عين المفسر بها، وعلى ما سبق فـ (أيْ) تفسر المفرد بالمفرد والجملة، و (أنْ) تفسر المفرد الظاهر، أو المقدَّر بالجملة لا بالمفرد. وإذا صحَّ هذا فأذكر استعمالها في النصوص المدروسة.

ما استطعت أن أحصيه من استعمال (أنْ) تفسيرية في القرآن الكريم (38) ثمانيا وثلاثين مرَّة [3] ، مما يجعل نسبتها إلى مجموع استعمالات (أنْ) العامة في القرآن (6%) وبذا تكون في المرتبة الثالثة في الاستعمال القرآني لـ (أنْ) ، أما النسبة المئوية بينها وبين مجموع آيات القرآن فهي (0.5%) بمعنى أننا نرصد خمسة استعمالات لـ (أنْ) التفسيرية في كل ألف آية.

الآيات التي استعملت فيها (أنْ) تفسيرية كانت في الأعم الأغلب منها تدخل فيها على فعل الأمر، مثل قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: من الآية 125) وقوله - عز وجل: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} (آل عمران: من الآية 193) ، ويبدو أن هاجس عدم قول الكوفيين بهذا النوع من معاني (أنْ) كان يلاحق العكبريُّ، فقد تتبعته فوجدته بعد كل (أنْ) داخلة على فعل أمر يذكر أنها تفسيرية وما يلبث أن يقول بجواز كونها مصدرية ثنائية داخلة على فعل الأمر، فهو يقول في تفسير الآيتين المتقدمتين: (( {أن طهرا} يجوز أن تكون أن هنا بمعنى(أيْ) المفسرة؛ لأن {عهدنا} بمعنى قلنا، والمفسرة: ترد بعد القول، وما كان في معناه فلا موضع لها على هذا، ويجوز أن تكون مصدرية، وصلتها الأمر، وهذا مما يجوز أن يكون صلة في أن دون غيرها، فعلى هذا يكون التقدير بأن طهرا، فيكون موضعها جرا أو نصبا على الاختلاف بين الخليل وسيبويه. )) [4] ، ويقول في تفسير الأخرى: (( {أن آمنوا} أن هنا بمعنى أي، فيكون النداء قوله آمنوا، ويجوز أن تكون أن المصدرية، وصلت بالأمر فيكون التقدير: على هذا ينادى للإيمان بأن آمنوا. ) ) [5] .

(1) - ظ: جواهر الأدب: 110.

(2) - شرح الرضي على الكافيَّة: 4\ 438.

(3) - البقرة:125،آل عمران:193،المائدة:111،الأعراف:50،117،160،التوبة:86، يونس:2، 87، 105، هود:3، إبراهيم:5، النحل:36، 68، 123، مريم:11، طه:39، 77،المؤمنون:27، 32،الشعراء:10، 63،52، النمل:45،2، القصص:7، لقمان: 12، 14، سبأ:11، يس:61، الصافات:104، ص:6،الشورى:13،الدخان:18،القلم:22، 24، نوح:1، 3.

(4) - التبيان في إعراب القرآن:1\ 62.

(5) - نفسه: 1\ 163، ومثله في: 1\ 232.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت