إن ما قرره النحاة من إن أصل الوضع في (هل) ، أنَّها حرف للاستفهام التصديقي الموجب، غفلوا عنه عندما صاروا إلى تطبيق هذا المعنى على ما وجدوه من استعمالاتها في القرآن والشعر، وصاروا في شبه حيرة من أمرهم، فمنهم من قال إنها أبدا لا تأتي بمعنى (قد) ، ومنهم من قال إنها أبدا بمعنى قد [1] ، وهذان القولان هما حدَّا الإفراط والتفريط في معنى هذا الحرف، ومنهم من قال إن لها معاني أخر تدلَّ عليها، فضلا عن معناها الأصلي الذي وضعت له، وأرى أنَّ الذي حملهم على هذه الأقوال هو خلطهم لمستويات الكلام البليغة من القرآن الكريم والشعر الفصيح بلغة التعامل اليومي، وما فيها من حفاظ على التعامل الحقيقي في دلالة الألفاظ، فاللغة اليومية واللغة العلمية تسعيان إلى المطابقة بين الاستعمال اللغوي والدلالة الحقيقية للفظ، للتوصل إلى أدقَّ النتائج وأكثرها ضبطا، لتكون بعيدة عن الشبهات، والمجاز الذي قد يجرَّ إلى مشكلات معينة، لا يريدها المتكلم وينأى بنفسه عنها في لغة التعامل اليومي واللغة العلمية ولغة العقود والبيع والشراء وما شاكلها.
في حين تكون لغة الأدب معتمدة بشكل كبير على المجاز، لما فيه من خصائص تكثيف المعنى في العبارة، ومنحها قدرة عالية على إيصال أكبر قدر من المعنى بأقلِّ قدر من الألفاظ. إن للكلمات في اللغة الأدبية وزنا أثقل من وزنها الطبيعي، فهي مشحونة بالمعنى في النص الأدبي، وليست لها تلك القدرة خارج سياق هذا النص الأدبي، ولعلَّ أهم ما يستعين به الخيال الفني لخلق الصورة الأدبية هو (المجاز) ، وذلك حينما يعمل على نقل مستوى الكلام من الدلالة الحقيقية إلى مستوى الدلالة العاطفية، فـ (( المجاز أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعا في القلوب والأسماع. ) ) [2] ، وهذا الكلام المجازي قد يستعصي على معايير الصدق والكذب، وقد لا نستطيع أن نُحكِّمَ علية قاعدة (صادق أو كاذب) . إنَّه وسيلة التوصيل في اللغة الأدبية، وهي أكثر تعقيدا منها في لغة التعامل اليومي أو لغة العلم، لما يتوالد داخل سياق النص فيها من معان، قد لا تدلَّ عليها الألفاظ خارج هذا السياق [3] .
إنَّ حقيقة الاستفهام هي طلب الفهم [4] ، أو طلب حصول صورة الشيء في الذهن [5] ، فهو طلب لما في الخارج، ويلزم من هذا أن لا يكون حقيقيا إلاَّ إذا صدر من شاكٍّ مصدِّق بإمكان الإعلام، إذ غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإن لم يكن يصدِّق بإمكان الإعلام انتفت فائدة الاستفهام، وصار عبثا [6] . من هنا كان الاستفهام في الاستعمال الشعري والاستعمال القرآني له وضعه الخاص، وشكله المميز، ففي الشعر نجده صادر من عالم بنتيجة الاستفهام في أكثر الأحيان، وإنما يصير إليه للخروج به إلى معان أخر، وفي القرآن يكون الاستفهام صادرا عن علاَّم الغيوب، العالم بكل شيء فكيف يستفهم وهو يعلم كل شيء؟ فالاستفهام في القرآن غير حقيقي؛ لأنه واقع ممن يعلم ويستغني عن طلب الفهم والإعلام، فإنما يقع الاستفهام في القرآن الكريم على جهة التوبيخ والتقرير، فالخالق العالم يستفهم خلقه ليقررهم ويذكرهم، أنهم قد علموا حق الشيء المستفهم عنه وحقيقته، وأنهم إذا عادوا إلى ضمائرهم وجدوا علم ذلك الشيء حاضرا عندهم، وهذا أدعى للإقرار بالحقائق [7] . قال الزمخشريُّ: (( فإن قلت: فإذا كان عالمًا بذلك وكان يقصه عليهم، فما معنى سؤالهم؟ قلت:
(1) - ستأتي الإشارة إلى أصحاب هذه الأقوال مفصلا بعد قليل.
(2) - العمدة: 1\ 266.
(3) - ظ: لغة الشعر في هاشميات الكميت:22 - 26.
(4) - توافق على هذا المعنى اللغويين والنحاة والبلاغيين، ظ: لسان العرب: مادة (فهم) ، الصاحبي في فقه اللغة:181، التعريفات: 27، الأمالي الشجريَّة: 1\ 262، الفروق اللغوية: 25، شرح المفصل: 8\ 150، اللباب في علل البناء والإعراب:2\ 129، البرهان:2\ 326، في النحو العربي نقد وتوجيه:264، أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين:307.
(5) - ظ: مختصر المعاني: 131، الأشباه والنظائر: 4\ 69.
(6) - ظ: البرهان: 2\ 326 - 327.
(7) - ظ: البرهان:2\ 327، معترك الأقران:1\ 431 - 432، أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين:308309.